تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس . فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى ، وقطع طمعه عن الناس رأسا ، أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن ، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق ، لأنه لا يراهم ، ولا يطمع فيهم . ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة . فمن قنع استغنى عن الناس ، وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس . ولم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن . ولا يتم ترك الجاه إلا بالقناعة وقطع الطمع . ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول والذل ، مثل قولهم : المؤمن لا يخلو من ذلة ، أو قلة ، أو علة . وينظر في أحوال السلف ، وإيثارهم للذل على العز ، ورغبتهم في ثواب الآخرة رضي الله عنهم أجمعين .

بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم

اعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم . فصارت حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس ، رجاء للمدح وخوفا من الذم . وذلك من المهلكات فيجب معالجته . وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره الذم . أما السبب الأول : فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح . فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك ، وتقول لنفسك : هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا ؟ فإن كنت متصفا بها ، فهي إما صفة . تستحق بها المدح ، كالعلم والورع ، وإما صفة لا تستحق المدح ، كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية . فإن كانت من الأعراض الدنيوية . فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض ، الذي يصير على القرب هشيما تذروه الرياح . وهذا من قلة العقل . بل العاقل يقول كما قال المتنبي :
أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا
فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا . وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها . بل بوجودها . والمدح ليس هو سبب وجودها . وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها ، كالعلم والورع ، فينبغي أن لا يفرح بها ، لأن الخاتمة غير معلومة . وهذا إنما تقتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى . وخطر الخاتمة باق . ففي الخوف من سوء الخاتمة
إحياء علوم الدين — صفحة 102 | الغزالي