حميدة هو خال عنها . وذلك هو عين النفاق . فحب الجاه إذن من المهلكات ، فيجب علاجه وإزالته عن القلب ، فإنه طبع جبل عليه القلب كما جبل على حب المال وعلاجه مركب من علم وعمل
أما العلم :
فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه ، وهو كمال القدرة على أشخاص الناس ، وعلى قلوبهم . وقد بينا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت ، فليس هو من الباقيات الصالحات . بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب ، فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له . ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له ، فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق ، صغر الجاه في عينه ، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ، ويستحقر العاجلة ، ويكون الموت كالحاصل عنده ، ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز .
أما بعد : فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات ، فانظر كيف مد نظره نحو المستقبل ، وقدره كائنا . وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه : أما بعد ، فكأنك بالدنيا لم تكن ، وكأنك بالآخرة لم تزل . فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة ، فكان عملهم لها بالتقوى ، إذ علموا أن العاقبة للمتقين ، فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا . وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة ، لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب . ولذلك قال تعالى * ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا . والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى ) * « 1 » وقال عز وجل * ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) * « 2 » فمن هذا حده فينبغي أن يعالج قلبه من حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة ، وهو أن يتفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا . فإن كل ذي جاه محسود ومقصود بالإيذاء ، وخائف على الدوام على جاهه ، ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب . والقلوب أشد تغيرا من القدر في غليانها . وهي مترددة بين الإقبال والإعراض . فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر ، فإنه لا ثبات له . والاشتغال بمراعاة القلوب ، وحفظ الجاه ، ودفع كيد الحساد ، ومنع أذى الأعداء ،
هامش
« 1 » الأعلى : 16 ، 17
« 2 » القيامة :