تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا . بل الدنيا دار أحزان وغموم ، لا دار فرح وسرور . ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة ، فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى ، لا بمدح المادح . فإن اللذة في استشعار الكمال ، والكمال موجود من فضل الله لا من المدح ، والمدح تابع له ، فلا ينبغي أن تفرح بالمدح ، والمدح لا يزيدك فضلا وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ، ففرحك بالمدح غاية الجنون . ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول : سبحان الله ! ما أكثر العطر الذي في أحشائه ، وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ثم يفرح بذلك . فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ، ففرحت به ، والله مطلع على خبائث باطنك ، وغوائل سريرتك ، وأقذار صفاتك ، كان ذلك من غاية الجهل فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك ، التي هي من فضل الله عليك ، وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به وأما السبب الثاني : وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح ، وكونه سببا لتسخير قلب آخر ، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب . وقد سبق وجه معالجته ، وذلك بقطع الطمع عن الناس ، وطلب المنزلة عند الله ، وبأن تعلم أن طلبك المنزلة في قلوب الناس ، وفرحك به ، يسقط منزلتك عند الله ، فكيف تفرح به ! وأما السبب الثالث : وهو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح ، فهو أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لا ثبات لها ، ولا تستحق الفرح . بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه وتغضب به ، كما نقل ذلك عن السلف . لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة ، كما ذكرناه في كتاب آفات اللسان . قال بعض السلف . من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل في بطنه . وقال بعضهم : إذا قيل لك نعم الرجل أنت ، فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس الرجل أنت ، فأنت والله بئس الرجل : وروى في بعض الأخبار ، فإن صح فهو قاصم للظهور ، [ 1 ] أن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، فقال « لو كان صاحبك حاضرا فرضى الَّذي قلت فمات على ذلك دخل النّار » وقال صلَّى الله عليه وسلم
شرح
[ 1 ] حديث ان رجلا أثنى على رجل خيرا فقال لو كان صاحبك حاضرا فرضى الذي قلت ومات على ذلك دخل النار : لم أجد له أصلا