النصوص التي تقول بنبوة المسيح وبين التي تقول بألوهيته تعددت الفرق
والمذاهب ، وكان هذا على حساب الفطرة التي فطر الله الناس عليها ،
ولما كان للدين الفطري شهود وأمناء على امتداد المسيرة البشرية ، ولما
كانت النبوءة هي التي تفسر التاريخ وليس العكس ، فإننا لكي نمسك
بخيط الأحداث . لا بد أن نتتبع الأحداث وفقا لنصوص أصول النبوة ،
فننظر إلى الأحداث وحركتها في الأناجيل . ثم نضع ذلك تحت الضوء
القرآني ، فبهذا وحده نصل إلى الحقيقة في مدونات أهل الكتاب ،
واضعين في الاعتبار أن الحق لا يخص بوجه وعلى أي تقدير ، فهو بين
السطور حجة على كل من قرأ وإن عتمت على السطور سحب التحريف
والتأويل ، وهو ظاهر في الكون الواسع وإن حاصرته أدوات الزينة
والإغواء ، وهو داخل النفس الإنسانية لأن الإنسان مجبول على قبول
الحق والخضوع الباطني أمامه . وإن طوقت الأهواء النفس ، فالحق
واضح المعالم في كل مكان وزمان لأنه حجة بذاته ، والحق ينتصر في
الدنيا ظاهرا أو باطنا . لأن الله تعالى أوجب على نفسه أن يفنى الباطل
بالحق .
ولما كان النصارى يؤمنون بألوهية المسيح . وأن أحد تلاميذه قد
خانه وسلمه إلى أعدائه . فجردوه من ثيابه . وبصقوا في وجهه . وضربوه
على رأسه بعد أن أوسعوه سخرية ، ثم ساقوه إلى الصلب . وصلبوا معه
لصين . وكان اللصان يسخران منه ( 1 ) ولما كان القرآن الكريم قد نفى ما
ادعاه النصارى في حق المسيح ، وقال تعالى : * ( لقد كفر الذين قالوا إن
الله هو المسيح ابن مريم ) * ( 2 ) وقال * ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث
ثلاثة ) * ( 3 ) وقال في قصة الصلب * ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه
هامش
( 1 ) أنظر : متي 27 / 28 - 44 .
( 2 ) سورة المائدة آية 17 .
( 3 ) سورة المائدة آية 73 .