بفطرته وإما بأمر ورائه ، لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى
الاختلاف في المعاش ، فوجب أن تكون الهداية من غير طريق الفطرة
والطبيعة . وهو التفهيم الإلهي المسمى بالنبوة والوحي ( 1 ) .
وبعد نزول التشريع الإلهي . جاء الاختلاف الثاني . وهو
الاختلاف في الدين . فعندما أصلحت الأمور ببعث النبيين وإرسال
المرسلين . وظهر الانذار والتبشير والثواب والعقاب ، جاء الاختلاف في
معارف الدين أو أمور يوم القيامة ، وترتب على هذا الاختلاف اختلال
أمر الوحدة الدينية . وظهرت الفرق والأحزاب وتبع ذلك الاختلاف
غيره ، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين جاءهم النبيين
بالكتاب ظلما وعتوا منهم . بعد ما تبين لهم أصول الدين ومعارفه وتمت
عليهم الحجة .
وعلى هذا فإن المسيرة البشرية عصف بها اختلافان : اختلاف
فطري في المعاش وأمور الحياة . ورفع هذا الاختلاف بالدين . ثم
اختلاف في نفس الدين . وهذا الاختلاف أوجده العلماء ويستند إلى
البغي . وفي هذين الاختلافين يقول تعالى : * ( كان الناس أمة واحدة .
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين
الناس في ما اختلفوا فيه . وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم
فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) * ( 2 ) قال في الميزان :
ذكر البعض أن المراد بالآية أن الناس كانوا أمة واحدة على الهداية . لأن
الاختلاف أنما ظهر بعد نزول الكتاب بغيا بينهم ، وقد غفل هذا القائل
عن أن الآية تثبت اختلافين اثنين لا اختلافا واحدا . وعن أن الناس لو
كانوا على الهداية فإنها واحدة من غير اختلاف . فما هو الموجب بل ما
هامش
( 1 ) تفسير الميزان 131 / 2 .
( 2 ) سورة البقرة آية 213 .