شرح
كقوله تعالى مخاطباً للنبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ) - * ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ ا للهُ ) * « 1 » ولا يختص مدلول هذه الآية بالقضاء في فصل الخصومات أو بما يعمّه وخصوص الأحكام الجزائية من الحدود والديات والقصاص بل يعمّ جميع الأحكام الراجعة إلى شؤون الحكومة . وذلك لأنّه ما من حادثة ولا أمر وشأن من الأُمور والشؤون السياسية والثقافية والنظامية والاقتصادية وغيرها ، إلَّا وله حكمٌ في الإسلام ، فلا بدّ من إقامته وإجرائه بين الناس . مع أنّ لفظ الحكم في اصطلاح القرآن يعمّ جميع ذلك . هذا مضافاً إلى ثبوت التعميم بالفحوى ؛ نظراً إلى وضوح أهمّية حكومة الدين على جميع شؤون الناس من تحكيمه عليهم في خصوص فصل الخصومات والجزائيات .
ومن الواضح أنّ هذا المهم الذي يشكَّل الهدف من إنزال الكتاب لا يختص بعصر النبي والأئمّة ( عليهم السّلام ) . وإنّما يصلح للقيام به العارف بأحكامه العادل الورع في دينه ، كما قلنا .
فهذه الآيات الكثيرة ونحوها تدلّ بنطاقها الواسع أوّلًا : على ضرورة تشكيل حكومة العدل والقسط على أساس أحكام الشريعة والقوانين الإلهية وتحكيم دين الله وإقامة حدوده وإنفاذ الأحكام الشرعية ووجوب الحكم بما أنزل الله .
وثانياً : على لزوم تصدّي الفقيه العادل العالم بأحكام الدين العارف بالحلال والحرام للحكومة . وذلك لأنّ الأمر بالقيام بالعدل والقسط وإيجاب الحكم بما أنزل الله وتحكيم دين الله وإقامة حدوده في جميع الأعصار ، يستدعي ذلك ؛ حيث لا تتحقق هذه الأُمور في عصر الغيبة ، إلَّا في حكومة عادلة إسلامية بقيادة الفقيه« 1 » النساء ( 4 ) : 105 .