تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
أربعة آلاف وكيل ، واجرة كل واحد منهم في كل شهر مائة مثقال من الذهب ، وبين يديه اثنا عشر من البنين ، واثنا عشر من البنات ، فلما رأت رحمة جميع ذلك سجدت لله تعالى شكرا ، وملكه جميع الشام وأولاده ، وأعطاه مثل عمره الماضي . وذكر مكالمة رحمة لإبليس زمان بلائه ، وذكر نذره ، فاغتم أيوب من ذلك ، فأوحى الله إليه : * ( وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ) * أي شمراخا مشتملا عدده على مائة * ( فَاضْرِبْ بِه ) * زوجتك رحمة * ( ولا تَحْنَثْ ) * في النذر ، فأخذ شمراخا ، فضربها ضربة واحدة عن يمينه ، وروي أن ضربه لها بالشماريخ لما رأى ذؤابتها مقطوعة غضب ، وحلف عليها أن يضربها مائة جلدة ، فأخبرته أنه كان سبب قطعها كذا وكذا ، فاغتم أيوب ( عليه السلام ) من ذلك ، فأمره الله بالضغث حذرا من الحنث ، وروي أن الله تعالى رد على رحمة ذؤابتيها كما كانتا . وسئل أيوب بعد ما عافاه الله : أي شيء كان أشد عليك مما مر عليك من البلاء ؟ قال : شماتة الأعداء . ثم إنه عمر عمرا طويلا ، فلما أدركته الوفاة أحضر أولاده ، وأوصاهم أن يصنعوا في ماله كما كان يصنع للفقراء والمساكين ، ثم مات ( عليه السلام ) ، وتوفيت امرأته قبله ، أو بعده بقليل ، ودفن إلى جانب العين التي أذهب الله بلاءه بها ، وسار أولاده سيرة أبيهم أيوب ( عليه السلام ) حتى ظهر عليهم ملك يقال له لام بن عاد ، فتغلب على بلاد الشام ، وعلى أولاد أيوب ، وجعل يؤذي أولاد أيوب ، وبعث إلى حزقل « 1 » بن أيوب - وكان أكبرهم - وقال : إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام بكثرة مواشيكم ، فأريد أن تعطوني نصف أموالكم ، مع العقار والعبيد والإماء ، وإلا ما تركتكم على ما أنتم عليه ، وأن تزوجوني باختكم التي يقال لها نقية ، وقيل : اسمها مؤمنة ، وقيل : صالحة ، وكانت امرأة حسناء ذات حسن وجمال ، إذا مشت كأنها تنحدر من جبل في حذاء مسيل ، كأن غرتها البدر المشرق ، وجبهة واسعة ، وعينان كالنيل ، وحاجبان كالقسي المنحنية ، وخداها كاللؤلؤ الأحمر يكاد ان يدميهما الهواء ، وجيد كأنه جيد ريم ، وروي أنه كان في بيتهم غلام صغير ، وكان إذا نامت على جنب فيقعد الصبي ومعه أترنجة ، فيدحرجها فتعبر من بين خصرها والأرض ، وكانت ذات منطق ، أديبة ، لبيبة ، عجيبة ، رحيمة للفقراء والمساكين ، فجعل يبعث إليهم بذلك ، فيقول : اختاروا أحدها ، وإلا جئتكم بخيلي ورجلي ، وجعلت أولادكم غنيمة لي . فأجابه حزقل بن أيوب ( عليه السلام ) ، وأرسل إليه رسولا : أما الأموال التي في أيدينا ، فليس لأحد فيها حق إلا الفقراء والمساكين والأيتام والضعفاء وأبناء السبيل ، ولست منهم ، وإنما ورثتها من أبينا أيوب ، وأما أختنا فلست على ديننا حتى نزوجكها ، وأما تخويفك لنا بخيلك ورجلك فإنا نتوكل على الله ، فهو حسبنا ونعم الوكيل . قال : فلما سمع هذه الرسالة جمع جنوده لحربهم ، فعلم بذلك حزقل بن أيوب ، فاستشار إخوته بحربه ، فقال أخوه بشير : لا أشور عليك بالحرب ، فإني أخاف أن يظفر بنا لأنه قوي ، فيأسرنا ، ولكن الرأي أن تبعثوا له من المال ما طلبه ، وأما خطبته أختنا فإنك تداريه بالمواعيد الحسنة والهدايا لعله يقنع بها . فأبى حزقل ، وأحب المحاربة ، فجمع جيشه ، ومضى حتى التقى الجيشان ، فاقتتلا قتالا شديدا ، فوقعت الهزيمة على حزقل بن أيوب ،
هامش
( 1 ) في المصدر : حزقيل .