تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
أما تعلمين أن ليس مع الله إله آخر ، وأن الذي أماته الله فلا يقدر أحد أن يحييه ! قالت : نعم . قال أيوب ( عليه السلام ) : فلو كنت عاقلة ما أصغيت إلى كلامه ، [ ولا اتبعتيه ] حتى سحر عينيك . فقالت رحمة : يا نبي الله ، اغفر لي هذه الخطيئة ، فإني لا أعود إلى مثلها أبدا . فقال لها أيوب : قد نهيتك عن هذا اللعين مرة ، وهذه ثانية ، فلله علي نذر لئن عافاني الله مما أنا فيه لأجلدنك مائة جلدة على ما كان من مكالمتك لإبليس لعنه الله . وكانت رحمة تقول : ليته قام من بلائه وجلدني مائة ومائة » . 9120 / [ 1 ] - قال ابن عباس : لبث أيوب ( عليه السلام ) في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق منه إلا عيناه تدوران في رأسه ، ولسانه ينطلق به ، وقلبه على حالته ، وأذناه فإنه كان يسمع بهما ، وكانت تحت لسانه دودة عظيمة سوداء تؤلمه في خروجها من تحت لسانه ، فإذا رجعت إلى موضعها يتأوه لذلك ، فأوحى الله تعالى إليه : أن - يا أيوب قد صبرت على رخائي ، فاصبر الآن على بلائي . قال : وخرجت رحمة ذات يوم في طلب الطعام فلم تقدر على شيء ، فرفعت رأسها إلى السماء ، وقالت : إلهنا وسيدنا ، ارحم غربتنا وضعفنا . قال : فسمع ذلك بعض أهل القرية ، فقال لها : ادخلي على نساء أهل القرية ، فإنهن أرق قلوبا . فأقبلت رحمة ، وقرعت باب عجوز ، وقالت : أنا رحمة امرأة أيوب ، ولقد طفت يومي هذا فلم أجد طعاما ، ولقد بلغني جوع شديد . فقالت العجوز : لي إليك حاجة يا رحمة ، إني قد زوجت ابنة لي ، فهل لك أن تعطيني ظفيرتين من ظفائرك أزين بهما ابنتي ، وأعطيك رغيفين ؟ فقالت لها رحمة : ولا يرضيك مني إلا ذلك ؟ قالت : نعم . قالت رحمة : احضري لي الرغيفين ، فوالله لو أردت شعري كله لأعطيتك لطعام أيوب . قال : فجاءت العجوز بالرغيفين والمقص ، فقصت ظفيرتين . وجاءت رحمة بالرغيفين إلى أيوب ، فأنكرهما ، وقال لها : من أين لك هذا ؟ فأخبرته بالقصة لما اشتد عليها طلب الطعام ، فصاح أيوب صيحة ، فقال : إلهي أي ذنب عملته حتى صرفت وجهك الكريم عني ، إلهي الموت أجمل لي مما أنا فيه ، رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فأوحى الله تعالى إليه : يا أيوب ، لقد سمعت كلامك ، وتمنيك الموت في ضرك ، ولو مت بغير هذا البلاء لم يكن لك من الأجر والثواب ما يكون لك مع البلاء ، ولأجزينك على صبرك . وأما رحمة ، فو عزتي وجلالي لارضينها في الجنة فعند ذلك فرح أيوب ، وتسلى . فلما طال على أيوب البلاء ، ورأى إبليس اللعين صبره أتى إليه أصحاب له ، وكانوا رهبانا في الجبال : أحدهم اسمه نفير « 1 » وهو من اليمن ، والآخر اسمه صوتي وهو من فلسطين ، والثالث ملهم « 2 » وهو من حمص ، وكانوا من تلامذته ، وهم حكماء ، وكان أيوب هو الذي اصطنعهم ، ورفع أقدارهم ، وكانوا يأتونه ويسألونه عن حاله ، فركبوا بغالا شهبا ، وجاؤا حتى إذا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن رائحته ( عليه السلام ) ، فقربوا بعضها إلى بعض ، ثم مشوا إليه ، وقعدوا عنده ، وقالوا : يا أيوب ، لو أخبرتنا بذنبك ، لعل الله تعالى يهبه لنا إذا سألناه ، ودعونا إليه ، وما نراه
هامش
1 - تحفة الاخوان : 59 « مخطوط » . ( 1 ) في « ج » : نقير . ( 2 ) في المصدر : اسمه سلم .