ابتلاك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلا من أمر كنت تسره ، ولو كنت صادق النية في عبادته لما وقع بك البلاء العظيم . فوقع في قلوبهم أن يجتمعوا عليه ويذبحوه .
فقال أيوب : وعزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا ويتيما أو ضعيفا يأكل معي ، وما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله تعالى ، إلا أخذت بأشدهما على بدني . أيها القوم ، أراكم تغيظوني « 1 » وتوبخوني من غير معرفة ، وما كان هذا جزائي منكم ، فإن الله تعالى يبتلي من يشاء زيادة في أجره ، كما ابتلى سائر النبيين والصالحين . ثم رفع طرفه إلى السماء ، وقال : إلهي وسيدي ، أذقني طعم العافية ولو ساعة من النهار ، ولا تشمت بي الأعداء ، ولا تصرف وجهك الكريم عني ، فإني قد أجهدني البلاء ، وقد تقطعت أوصالي ، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي ، والسفلى ذقني ، وقد سقط لحم رأسي ، وما تبين أذني من نفاخ وجهي ، ولقد غص من القيح والصديد جوفي ، ونخرت من الدود عظامي ، ولقد ملني وجفاني من كان يكرمني فبكى بكاء شديدا .
فلما فرغوا من توبيخه ، وهموا أن يقوموا ، التفت إليهم شاب حدث السن ، كان قد سمع كلامهم ، وكان الله قد قيضه لهم ، فقال الشاب : شوه لكم ، عبرتم إلى نبي الله فعيرتموه ، ولقد تركتم الرأي الصائب بتوبيخكم لأيوب ( عليه السلام ) ، ولقد كان له عليكم من الحقوق ما كان الواجب عليكم أن تقصروا عما قلتموه . ويلكم ، أتدرون من الذي وبختم ، ألم تعلموا أنه نبي الله ، اختاره لرسالته ، وائتمنه على وحيه ؟ ! فإن الله تعالى لم يطلعكم على أنه سخط عليه ، وأن هذا البلاء الذي نزل به قد صغره عندكم ، ولقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ولا يكون ذلك سخطا ولا هوانا ، ولو كان لم يكن نبيا لكان لا يجمل للأخ أن يعير أخاه عند البلاء ، ولا يعاتبه عند المصيبة ، ولا يزيده غما إلى غمه ، الله الله في أنفسكم ، ولو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة .
ثم أقبل على أيوب ، وعزاه ، وسكن ما به ، وأقبل أيوب على الثلاثة ، وقال لهم : « إنكم أعجبتكم أنفسكم ، فلو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة ، ولكن أصبحت اليوم وليس لي رأي معكم ، لأن أهلي قد ملوني وتنكرت معارفي ، وهربوا عني أصدقائي ، وقطعوني أصحابي ، وكفر بي أهل ملتي ، وإلا لم تكونوا تقولون ما تقولون . سبحان من لو يشاء لفرج عني ما أنا فيه من هذا البلاء الذي لم تقم به الجبال الرواسي .
فقال أيوب : يا رب ، لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي . فبعث إليه غمامة سوداء مظلمة فيها رعد ، وبرق ، وصواعق متداركات ، ثم نودي منها بأكثر من عشرة آلاف صوت : يا أيوب ، إن الله تعالى يقول لك :
أدلني بحجتك ، فقد أقعدتك مقعد الحكم ، وها أنا قريب منك ، ولم أزل قريبا دائما . فقال : يا رب ، إنك تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي ، ألم أحمدك ، ألم أشكرك ، ألم أسبحك ، وأذكرك ، واكبرك ؟ فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان : يا أيوب ، من صيرك تعبد الله والناس عنه غافلون ، وتحمده وتشكره والناس عنه لاهون ؟ تمن على الله فيه ؟ بل المن لله تعالى عليك . فأخذ التراب ، ووضعه في فيه ،
هامش
( 1 ) في « ج ، ي ، ط » : تعظوني .