ثم مضت ووقفت على قارعة الطريق ، وإذا هي بأربعة نفر من الملائكة ، فسألوها ، وقالوا لها : أيتها المرأة ، ألك حاجة ؟ قالت : نعم ، وهي أن تعينوني على حمل نبي الله أيوب إلى مزبلة كذا وكذا . فأقبلوا حتى وقفوا على أيوب ( عليه السلام ) ، وصبروه على بلائه ، ودعوا له بالعافية ، واحتملوه بأطراف النطع ، ووضعوه على باب العريش ، فانصرفوا عنه . وكانت رحمة قد جمعت في العريش ترابا كثيرا ، واتخذت منصة منه ، ثم قالت له : قم - يا أيوب - إلى فراشك التراب من بعد الفرش الممهدة ، ووسادك الحجارة من بعد الوسائد المنضدة . فقال لها أيوب : ألم أنهك عن ذكر شيء من نعيم الدنيا ؟ فزحف أيوب ، وألقى بنفسه على ذلك الرماد ، وهو يسبح الله العلي الأعلى ، ويقول :
سبحان العزيز الأدنى ، سبحان الرفيع الأعلى ، سبحانه وتعالى . ثم عمدت رحمة إلى كساء كان عندها فجعلته غطاء ، وسترت باب العريش ، وكانت تصدع بخدمته ، وتأتيه بما تجده .
ومضت تطلب له شيئا من الطعام لتأتيه به ، فأقبلت إلى باب دار فسألتهم ، فقالت لها امرأة من داخل الدار :
إليك عنا ، فإن رب أيوب قد سخط عليه . وسارت إلى باب آخر ، وقالوا لها مثل ذلك ، حتى دارت القرية ولم يعطوها شيئا ، فرجعت باكية إلى أيوب ، وقالت له : إن القوم طردوني ، وأغلقوا الأبواب من دوني . فقال لها أيوب : لا بأس عليك - يا رحمة - إن أغلقوا أبوابهم دوننا ، فإن الله لا يغلق أبواب رحمته دوننا ، ولكن - يا رحمة - لعلك مللتني ، ولعلك تريدين فراقي ؟ فقالت رحمة : أعوذ بالله من ذلك ، وأي عذر يكون لي عند الله على فراق نبيه ؟
حاشا ، وكلا ، ولكن أحملك من هذه القرية إلى قرية أخرى لعلهم يكونون أرحم من هؤلاء » .
قال : « فأخذته رحمة على النطع ، فغشي عليه من الوجع ، فجاءته بماء ، فرشته عليه حتى أفاق ، فغطته بذلك الكساء ، وجسد أيوب كأنما انسلخ سلخا ، ثم حملته إلى قرية أخرى من حوران ، ثم وضعته إلى جانب القرية ، فرفعت يدها إلى الله تعالى ودعت الله أن يحفظه من السباع وغيرها ، فدخلت القرية ، وقالت : ألا من أراد غسل ثياب ، أو خرق ، أو كنس دار ، أو حمل تراب إلى مزبلة ، أو استسقاء ماء بشيء من الطعام أحمله إلى نبي الله أيوب .
فخرجن إليها نساء القرية ، وقالت واحدة منهن : هذه غولة « 1 » قد دخلت قريتنا . فقالت لها رحمة : لم تقولين هذا الكلام ، وأنا رحمة بنت أفرائيم نبي الله بن يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق صفي الله بن إبراهيم خليل الله ، زوجة أيوب المبتلى نبي الله ! فقلن لها : وأين أيوب ؟ قالت : ها هو على باب القرية ، إلى جنب كنائسكم ومزابلكم .
فأقبلن إلى أيوب ، فلما رأين ما عليه من البلاء بكين أشد البكاء ، ثم قلن : هذا أيوب النبي صاحب الإماء والعبيد والمواشي ؟ فبكى أيوب ورحمة بكاء شديدا ، ثم قال : أنا أيوب عبد ربي ورسوله ، أنا الجائع الذي لا أشبع إلا من ذكره ، وأنا العطشان الذي لا أروى إلا من تسبيحه . قال : فبكين ، وبكت رحمة معهن ، وقالت لهن : لي إليكن حاجة ، وهي أن تعطوني فأسا أقطع بها أشجارا لأتخذ لأيوب عريشا يكنه من الحر والبرد ، فأعمل له طعاما .
فأتوها بجميع ذلك ، فعمدت إلى مطهرة معها من خزف ، وبلت ذلك الخبز في تلك المطهرة ، ثم مرسته بيدها
هامش
( 1 ) الغولة : من السعالي . « الصحاح - غول - 5 : 1786 » . وفي « ي ، ط » : خولة .