فأطعمته ذلك ، لأن أسنانه قد تساقطت ، ثم قطعت أعوادا وظللت بها على رأس أيوب مثل العريش ، ثم دخلت القرية ، فقربوها ، وأكرموها ، فعملت ذلك في خمسة بيوت ، واتخذت عشرة أقراص . فلما رجعت أخبرت أيوب بذلك ، وقالت : أصبت اليوم طعاما كثيرا ، من رزق ربي ، فأقعد عندك ، فإني لا أفارقك حتى يفرغ هذا الطعام : فقال لها أيوب : جزاك الله خيرا - يا رحمة - فأنت من بنات النبيين ، فقال : الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ، ولا يخيب عبدا شكره ، ولا يضيع « 1 » من توكل عليه ، له الحكم ، وإليه يرجع الأمر كله وهو على كل شيء قدير .
فأقبل نساء أهل القرية ، فقعدن ذات يوم بقرب عريش أيوب ، - فشممن رائحته ، فانصرفن مسرعات إلى بيوتهن ، وأغلقن الأبواب عن رحمة ، وقلن لرحمة : لا تدخلي بيوتنا ، ولكن نواسيك في طعامنا . فرضيت رحمة بذلك .
فبينما رحمة ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب ، وإذا هي بإبليس اللعين قد عرض لها في صورة طبيب ، ومعه آلة الطب ، وقال لرحمة : إني أقبلت من فلسطين حين سمعت بخبر زوجك أيوب ، جئت لاداويه ، وأنا سائر إليه غدا ، فأخبريه بقصتي ، وقولي له يأخذ عصفورا فيذبحه ، ولا يذكر اسم الله عليه ، ويأكله ، ويشرب عليه قدحا من خمر ، ويطلي نفسه بالدم ، فإن فرجه من ذلك . قال : فجاءت رحمة إلى أيوب فرحانة ، فأعلمته بذلك ، فبان الغضب في وجهه ، فقال لها : متى رأيت أني [ أشرب الخمر و ] آكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه ، وأطلي نفسي بشيء من الدم . يا رحمة ، بالأمس كنت رسولة من جبرئيل وميكائيل ، وأنت اليوم رسولة من إبليس اللعين ؟ ! فعلمت أنها أخطأت ، فأعتذرت إليه ولم تزل تتلطف به حتى رضي عنها ، وحذرها أن لا تعود إلى مثلها » .
قال : « فبينما هي ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب ، ومعها شيء من الطعام ، فاعترض لها إبليس اللعين في صورة رجل بهي الصورة ، حسن الوجه ، على حمار أحمر ، فقال اللعين لها : كأني أعرفك ، ألست رحمة بنت أفرائيم نبي الله ، وزوجة المبتلى أيوب نبي الله ؟ قالت : بلى . قال اللعين لها : إني أعرفكم وأنتم أهل غناء وثروة ، فما الذي غير حالكم ؟ فقالت له : إنا بلينا بذهاب المال جميعه ، والولد ، ثم البلاء الأعظم ما نزل بصاحبي أيوب ، فقال لها الملعون : لأي شيء أصابتكم هذه المصائب ؟ قالت : لأن الله تعالى أراد أن يجرب صبرنا على بلائه . قال اللعين :
بئسما قلت ، ولكن إله السماء هو الله ، وإله الأرض أنا ، فأردتكم لنفسي ، فعبدتم إليه السماء ولم تعبدوني ، ففعلت بكم ما فعلت ، وسلبتكم أموالكم ، وأمت أولادكم وعبيدكم ومواشيكم ، فها هي كلها عندي . فإن أردت ذلك فاتبعيني حتى أريك أولادك ، وعبيدك ، ومواشيك ، فإنهم عندي في وادي كذا وكذا .
قال : فلما سمعت بذلك بقيت متعجبة وهي متحيرة ، واتبعته غير بعيد حتى أوقفها على ذلك الوادي ، وسحر عينيها حتى رأت جميع ما فقدته هناك . فقال لها : أنا صادق عندك الآن ، أم كاذب ؟ فقالت رحمة : لا أدري ما أقول لك حتى أرجع إلى أيوب » .
قال : « فرجعت إلى أيوب ، فأخبرته بما رأته جميعه . فقال أيوب : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ويحك - يا رحمة -
هامش
( 1 ) في المصدر : يضع .