تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 669

مساهمون:

ص٦٦٩
والجمال ، وما أعطي الحسن والجمال في زمانك إلا جدك يوسف ( عليه السلام ) ، وإن في القرية فساق كثيرة ، وأنت تخدمين ، وأخشى عليك من مكائد إبليس اللعين . فبكت رحمة ، وقالت : يا نبي الله ، ما جزائي منك إلا أن تتهمني وتنسبني إلى ذلك ، وأنا من بنات النبيين والصديقين الطاهرين ؟ ! وحق آبائي وأجدادي ما ملت بعيني إلى آدمي بعدك . فعند ذلك أذن لها أيوب ( عليه السلام ) بالخدمة . وكانت تخدم أهل البثنة في سقي الماء ، وكنس البيوت ، وإخراج المزابل ، وغسل الثياب والخرق ، ويعطونها الأجرة وتنفقها على أيوب ( عليه السلام ) في طعامه وشرابه ، فأقبل إبليس في صورة شيخ كبير حتى وقف على أهل القرية ، فقال لهم : كيف تطيب أنفسكم بامرأة تعالج من زوجها القيح ، والصديد ، ونتن الرائحة ، ثم تدخل بيوتكم وتدخل يديها في أوعيتكم ، وطعامكم ، وشرابكم ؟ قال : فوقع ذلك في قلوبهم ، ولم يتركوا رحمة أن تدخل بيوتهم من ذلك اليوم . فكرهت رحمة أن تخبر أيوب ( عليه السلام ) بذلك حتى لا يزداد حزنا على حزنه ، وكان القوم لا يستخدمونها ، وكانوا يعطونها الشيء فتطعمه ذلك ، ولا تخبره بشيء من أمرها » . قال : « فاشتد بأيوب البلاء ونتن رائحته ، حتى لا يقدر أحد من أهل القرية أن يستقر في بيته لشدة نتن الرائحة ، ولم يدروا ما يصنعون ، فاجتمع رأيهم على أن يرسلوا عليه كلابا لتأكله ، فبلغ ذلك رحمة ، فجاءت إلى أيوب فأخبرته بذلك ، فقال لها : يا رحمة ، لم يكن الله تعالى بالذي يسلط علي الكلاب وأنا نبيه وابن أنبيائه . قال : فجمع أهل القرية كلاب الرعاة ، فأرسلوها على أيوب ( عليه السلام ) ، فجاءت إليه تعدو ، فلما تقاربت منه رجعت إلى خلفها ، فهربت الكلاب عن البلاد حتى لم يكن في تلك القرية كلب واحد . وكان القوم يأتون أيوب ، ويقولون له : لا صبر لنا على بليتك ، إما أن تخرج عنا وإلا رجمناك بالحجارة حتى تموت فنستريح منك . فقال لهم أيوب : لا ترجموني بالحجارة ، ولكن أخرجوني من قريتكم إلى بعض مزابلكم ، فإني أرجو من الله تعالى أن لا يضيعني . فقالوا له : إنا نستقذرك وأنت بعيد عنا ، فكيف ندنو منك ونحملك ؟ ثم انصرفوا عنه . فقال أيوب لرحمة : أيتها الصديقة الطاهرة البارة ، قد عرفت أن هؤلاء القوم قد بغضوني وملوني ، فقفي على مفرق الطريق ، فلعلك أن تقفي على أحد من الناس فتخبرينه بقصتي ، وتسأليه أن يعينك على حملي من هذه القرية . فقالت رحمة : لا تعجل علي حتى أخرج إلى بلد كذا وكذا وأتخذ لك هناك عريشا . ثم وقفت على الطريق تنظر من يمر بها ، وإذا هي برجلين كأنهما قمرين ، تفوح منهما رائحة طيبة ، فتوسمت فيهما الخير ، واستحيت أن تسألهما عن حاجتها ، فلما دنوا منها قالا لها : وأين أيوب خليلنا وصديقنا ، وكيف هو على بلائه ؟ فأخبرتهما بحاله ، وضجر أهل القرية منه ، وكيف سوت له العريش على المزبلة ، ثم قالت لهما : إن لي إليكما حاجة ، وهي دعوة منكما له بالعافية . فقالا لها : نعم ، فإذا رجعت إليه فأقرئيه منا السلام . ثم أنهما مضيا ، فانصرفت رحمة إلى أيوب ، وأخبرته بحديث الرجلين وما كان منهما ، فصاح أيوب صيحة ، وقال : وا شوقاه إليك يا جبرئيل ، وا شوقاه إليك يا ميكائيل ، ثم قال : يا رحمة ، ومن مثلك الآن وقد كلمتك الملائكة . فقالت له رحمة : قد هيأت لك العريش ، ولكن اصبر حتى أقف على قارعة الطريق لعل أحدا يمر بي فيساعدني على حملك .