احتلال الصليبين لمدينة القدس سنة 492 ه قوله : « كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها ! كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إرباً إرباً ، وكانوا يشنقون أُناساً كثيرين بحبل واحد بغية السرعة وكان قومنا يقبضون كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعاً ذهبية ! ! فيا للشره وحبّ الذهب وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث » ( 1 ) . ويقول راهب آخر عند وصفه للمجزرة نفسها : « حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها ، فقد قطعت رؤوس بعضهم فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم ، وبقرت بطون بعضهم ، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم ، فلا يمرّ المرء إلاّ على جثث قتلاهم ، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا » ( 2 ) . أقول : قد يتبجح البعض والحق قد يكون معه ، إلاّ أن البعض يتساءل عن الوجه الشرعي لهذه الفتوح فإن كان المراد منها الدعوة إلى الإسلام ، فقد بيّن الإسلام أن الدعوة إليه لا بد أن تكون سلميّة فقال تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ( 3 ) ، ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ( 4 ) ، وإن كان المراد منها القضاء على الخطر
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 208
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٠٨
هامش
( 1 ) راجع غوستاف لوبون ، حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر ، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 2000 م ، ط 2 : 325 - 326 .
( 2 ) المرجع السابق .
( 3 ) النحل : 125 .
( 4 ) فصلت : 34 .