وهنا قد يقع اختلاف بين العقلاء في الترجيح وتقديم أحد الإقتضائين في قبال الآخر ، فتشخيص موازين التقديم في موارد التزاحم قد يكون هو الذي يوصف بالشك أو الخطأ ولا يكون بديهياً أوليّاً . أقول : ومع هذا المنهج وهذه الأدوات القطعية الحجة ، فما معنى اتباع ثقافات عصرية بشرية لا يكون لها هذا المنهج القويم ولا يملك القطعية والحجة ، بل يثبت فشله معه أو قبله بحكم العقل ؟ ! ! لذا فأن بعض المثقفين الذين يتخذون مما أبدعه الفكر الانساني المعاصر على وجه الخصوص مرجعية فكرية يستند إليها في تأسيس الأفكار والمواقف ذات الطابع الديني لا يمكن الركون إليه لأن معنى هذا هو بناء الدين على الأفكار البشرية ، بينما فيما تقدم منّا بناء الدين على الكتاب والسنة وأحكام العقل النظري والعملي بالصورة المتقدمة ممّا يرجع إلى القطع الذي هو حجة . وحينئذ نقول : ان الاستناد إلى الحقائق العلمية ذات الطابع الثقافي أو الاجتماعي وما أشبه ذلك يمكن أن يستند إليه في تشخيص الموضوعات الخارجية ان لم يتقاطع مع الفكر الديني الذي ينتهي إلى القطع والحجة . وأما الاستناد إلى الحقائق العلمية ( 1 ) التي تتصل بشكل مباشر بالالتزامات والأحكام الدينية المنتهية إلى القطع والحجة والحاكية عن موقف ديني خاص ، فلا يمكن أن يكون الفكر الانساني مرجعاً فكريّاً بشكل مطلق : وكمثال على ذلك : ما رواه أبان بن تغلب حيث قال : قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع امرأة كم فيها ؟ قال : عشرة من الإبل .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 79
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٧٩
هامش
( 1 ) التي ليست من باب الاستحالة عقلاً وكذا الدلالات الالتزامية العرفية التي يراد تحكيمها على النص .