3 - تجريد الدليل عن شروطه وظروفه :
فالدليل قد يكون تقريراً من المعصوم وهذا التقرير قد يكون لظرف خاص أو في شرط خاص ، فلا يجوز توسعة هذا الدليل إلى غير ظرفه وشرطه ، فمثلاً إذا أقرّ المعصوم التيمم بدلاً عن الوضوء في أيام الشتاء الباردة التي يكون فيها استعمال الماء مضراً بالبدن وموجداً للشين فلا يجوز أن نجوّز التيمم في غير ظرفه وشرطه ، لأن الشك في كون التقرير عاما يوجب عدم سريان هذا التقرير لغير ظرفه وشرطه .
وكذا إذا شرب الصبي أو المجنون نجسا ولم ينهه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو يدل على شرب الصبي للنجس إلا أن هذا لا يكفي للقول بجواز شرب النجس لكل أحد إذ لعل الصبي يجوز له شرب النجس دون البالغ والعاقل ، فالتقرير لا يجوز أن يعزل عن شروطه وظروفه نعم يمكن تسرية التقرير للصبيان المشابهين لهذا الصبي والمجانين المشابهين لهذا المجنون وأما التعدي إلى كل فرد فهو عبارة عن تجريد الدليل عن شرطه وظرفه وهو من مزالق الاجتهاد .
4 - اتجاه الباحث النفسي : فان له الأثر المهم في فهم النص ، فالمجتهد إذا كان ينظر إلى النصوص أنها تبليغات عن الله فسوف ينظر إلى النصوص القائلة ان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قضى بين أهل المدينة في النخل : لا يمنع نفع بئر ، وقضى بين أهل البادية : أنه لا يمنع فضل ماء ولا تباع فضل كَلاَ ، فالإنسان الذي حفر بئراً له لا يجوز له منع نفع بئره لغيره والانسان الذي عنده ماء فاضل وكلأ فاضل عن حاجته لا يجوز له أن يمنع هذا الفضل من الماء والفضل من الكلأ وعن الآخرين ويكون هذا حكما شرعيا عامّاً ثابتاً كل زمان ومكان كالنهي عن الخمر . وإذا نظر مجتهد آخر إلى النصوص على أنها أحكام حكوميّة من قبل النبي لأجل تنظيم الدولة والمجتمع فهو إذن يرتبط بظروف ومصالح قدرها ولي الأمر ، وحينئذ من حقّ ولي أمر آخر ان لا يرى مثل هذا الاجراء
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 56
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٥٦