تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨

عبارة عن إيصال المكروه إلى غير مستحق . وفي الشرع : عبارة عن إيصال الألم إلى بدن الإنسان كلّه أو بعضه ، فالأوّل جناية النفس والثاني جناية الطرف . . . وغُلبت الجناية في ألسنة الفقهاء على الجرح والقطع ، والجمع جنايات ، وجنايا ( مثل عطايا ) قليل ( 1 ) . والمسؤولية الجنائية في موضوعنا هنا : هي عبارة عن المسؤولية التي تكون ناشئة من تجاوز حقّ الطبيب في المعالجة ( عند ممارسة مهنته ) بشرط اختيار الطبيب وإدراكه . وتوضيح ذلك : 1 - إنّ حقّ الطبيب في المعالجة إذا قلنا أنّها حقّ للطبيب تستوجب مساءلته في حال تجاوز حقّه الذي نشأ منه ضرر على المريض . 2 - وإذا قلنا إنّ طبابة الطبيب للمريض واجب شرعي يقوم به اتجاه المريض ، فحيث أنّ طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب لما له من تفويض واسع في طريقة وكيفية الأداء ، كان هذا أيضاً داعياً لمسائلته عن نتائج عمله إذا أدّى إلى نتائج ضارّة بالمريض نتيجة خطأه الجسيم غير المغفور له طبيّاً . وحينئذ إذا تبيّن أنّ الطبيب قد نهج في عمله أكثر مما يجوز له ، فضرّر المريض ، أو تبيّن أنّه قد أخطأ خطأً جسيماً غير مغفور له طبيّاً ، فهو مسؤول جنائياً عن عمله هذا ; لأنّه يعدّ تعدّياً عمداً يوجب مسؤولية جنائية . 3 - كما أنّ الطبيب إذا أجرى عملية جراحية لمريض بدون إذنه ( وكان بالإمكان أخذ الإذن منه أو من وليّه ) وضرّره كان مسؤولا مسؤولية جنائية عن عمله الذي يعدّ تعدياً على جسم المريض بدون إذنه ( 2 ) .

هامش
( 1 ) مجمع البحرين 1 : 416 ، مادة « جنا » .
( 2 ) أمّا إذا كان المريض بحاجة إلى عملية فورية ولم يكن بالامكان أخذ إجازته أو إجازة وليّه إمّا لكونه في حالة إغماء ، أو لعدم وجود وليّه أو عدم معرفته فهنا لا حاجة إلى إذن المريض أو وليّه . لأنّ هذه الحالة من حالات الاسعاف العاجل التي لا يمكن فيها الانتظار إلى حصول الرضا ، حيث يكون الانتظار إلى حصول الرضا هلاكاً مؤكداً للمريض ، فهنا لو أقدم الطبيب على العلاج والحالة هذه فهو يدفع خطراً محققاً عن هذا المريض العاجز عن التعرف على مصلحته ، فيجب على الطبيب العلاج وجوباً كفائياً إذا كان هناك غيره ووجوباً عينياً إن لم يكن غيره . وقد استثنت كثير من اللوائح الطبيّة الحديثة حالات الاسعاف العاجل من ضرورة الحصول على إذن المريض أو وليّه .