خطأه وتجاهله وتعديه كما هو مفروض البحث .
تبقى عندنا الرواية الأُولى : وهي دالة على تضمين الطبيب حتى إذا لم يهمل وعمل بما توجبه قواعد الطب وفنونه إلاّ أنّه حصل التلف ، فيكون ضامناً إلاّ في صورة أخذ البراءة من المريض لدفع الديّة .
وقد يقال : إنّ هذه الرواية تسقط ضمان الدية قبل حدوث الدية فتكون دالة على اسقاط ما لم يجب ولم يحدث ، وهو غير صحيح ; لأنّ الإسقاط إنّما يتوجه للموجود لا للذي سيوجد فيما بعد .
والجواب : إنّ هذه الرواية تقول بأنّ البراءة من الضمان معناها سقوط الفعل عن اقتضاء الدية عند أخذ البراءة ، وحينئذ تتخصص الديّة عند عدم البراءة فيكون الفعل مقتضياً للديّة .
ولنا أن نقول أيضاً : إنّ إسقاط ما لم يجب وما لم يوجد ممتنع في الأُمور الطبيعية وأمّا في الأبحاث الفقهية التي هي اعتبارات الشارع حيث اعتبر الدية عند اتلاف عضو ما ، فيمكن أن يعتبر البراءة من الديّة في صورة إتلاف عضو غير متعمد في المستقبل ، وهي صورة أخذ البراءة للطبيب من المريض ، فلا تقاس الأبحاث الفقهية بالأبحاث الفلسفية والطبيعية .
على أنّ إسقاط ما لم يجب ليس مدلولا لفظيّاً ، وليس فيه استحالة عقلية ، بل يوجد إجماع على بطلان التعليق في العقود كبطلان الطلاق قبل الزواج وانشاء البيع للسلعة قبل شرائها ، أمّا اسقاط ما لم يجب فهو معروف بين الفقهاء فلا يشمله الإجماع .
هذا مضافاً إلى انّ هذا الرأي لم يثبّط الأطباء من معالجة المرضى حيث يمكنهم أن لا يقدموا على عمل إلاّ بعد أخذ البراءة من الضمان عند التلف وهو أمر يقوم به الأطباء عادة عند اجراء العمليات الجراحية ، تخلّصاً من الضمان .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 282
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٨٢