الظروف المعيشية للفرد المتعاقد وحاجياته ، يدفع بها ضرراً خارجياً متوجهاً إليه لولا إقدامه على العقد ، فالرضا وطيب النفس موجود في حالة الضرورة إلى العقد .
وكمثال على ذلك : إذا اضطرّ الفرد إلى بيع داره لصرف ثمنها في علاج مرضه ، أو للإنفاق على عياله ، أو لأداء حقٍّ شرعي متعلق بذمته أو لدفع غرامة حكم بها عليه ، ومع عدم دفعها يودع السجن لمدة عشر سنين ، فالعاقد في هذه الأمثلة مضطر لا على العقد بل مضطر لدفع المضار التي تتوجه إليه لا من ظالم لولا العقد .
وعلى هذا اتضح الفرق بين الاكراه والاضطرار ، فالاكراه الذي تقدم الكلام عنه ( وإن قلنا إنّه غير منطبق على عقود الاذعان ) هو أن يكره زيد عمراً على عقد ما ويكيل له الوعيد بالضرر على ترك العقد ، وهذا الأمر يوجب فساد العقد ; لأنّه يوجب خلوّ العقد عن الرضا المعاملي المعتبر في صحّة العقد ، بينما الاضطرار إلى دفع المضار المتوجهة إليه « لا من ظالم » يضطر الفرد إلى إيقاع المعاملة عن رضا معاملي وطيب نفس بالمعاملة ، فمن اضطرّ بحسب وضعه الثقافي والاجتماعي أن يدخل في شبكة الإنترنيت للاستفادة منها ويدرأ المفاسد المتوجهة إليه لولا دخوله فيها ، يكون اضطراره هذا ( لا من ظالم ) داعياً له إلى التعاقد مع شبكة الإنترنيت ( ولو كانت شروطها تعسفية ) وموجباً لحصول الرضا وطيب النفس إلى هذا التعاقد .
فكم هو الفرق بين الاكراه من قبل الظالم على عقد وبين اضطرار المتعاقد إلى عقد لأجل تنظيم أمور حياته ، ولعله هو الفارق بين اكراه الجائر لفرد على قطع إصبعه وإلاّ يهلكه بقتله لو لم يفعل ، ومن فسد جزء من أجزاء بدنه وانحصر علاجه بقطعه لئلاّ يهلكه ، فإنّ الثاني مبتهج وراض بقطع عضوه بخلاف الأوّل ; ولأجل هذا فإنّ المكرَه لا يرضى بالنتيجة التي تراد من العقد ،
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 257
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٢٥٧