في العمل الذي أساسه الامتناع وفروعه التزود من منافعه التي يأتي ذكرها فيما بعد . وهذا الصوم أيضاً هو الذي يروّض الشعور برقابة غير منظورة ، وهي المسؤولية الصريحة بين يدي الله تعالى تبتعد به عن الحرية اللا مسؤولة والأخلاقية غير الهادفة التي تكون عند الفرد الذي يصوم وينظر إلى الأرض فقط . وعلى ما تقدم من هذا الصوم الإلهي المسؤول فلا يصح اطلاقاً القول بأنّ النظر إلى السماء والغيب يؤدي إلى استسلام الإنسان للقدر واتكاله على الظروف وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والابداع ، بل إنّ هذا الاتجاه يعبّر عن مبدأ خلافة الإنسان في الأرض ، فالإنسان خليفة الله ، وهو مفهوم غنيّ في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته المهذبة النافعة الصالحة للمجتمع وللفرد ، والمبتعدة عن الطاقة الشرّيرة الضارّة المفسدة للمجتمع والفرد . وهذا ابعد ما يكون عن مفهوم الاستسلام للقدر والظروف ، لأنَّ الخلافة الصالحة تستبطن مسؤولية تجاه ما يستخلف عليه ، ولا مسؤولية بدون حريّة وشعور بالاختيار والتمكّن من التحكم في الظروف ، فالمسؤولية تتعارض مع التقييد والاستسلام والتسيير . وهذا هو ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى : ( فأمّا من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسره للحسنى ) ( 1 ) ، و ( إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفرواً ) ( 2 ) ، وغير ذلك من الآيات الأُخرى التي تركت للإنسان حرية اختيار المصير .
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 357
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٣٥٧
هامش
( 1 ) الليل : 5 - 7 .
( 2 ) الإنسان : 3 .