منتظرين لما وعدكم الله ، متزوّدين للقاء الله ، وعليكم السكينة والوقار والخشوع والخضوع وذلّ العبد الخائف من مولاه ، راجين خائفين راغبين راهبين ، قد طهّرتم القلوب من العيوب ، وتقدّست سرائركم من الخبّ ، ونظفت الجسم من القاذورات ، تُبرّأ إلى الله من عداه ، وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات ممّا قد نهاك الله عنه في السرّ والعلانية ، وخشيت الله حقّ خشيته في السرّ والعلانية ، نقصت ووهبت نفسك لله في أيام صومك ، وفرّغت قلبك له ونصبت قلبك له فيما أمرك ودعاك إليه ، فإذا فعلت ذلك كلّه فأنت صائم لله بحقيقة صومه ، صانع لما أمرك ، وكلّما نقصت منها شيئاً ممّا بينت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك . . . إلى أن قال : إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب ، إنّما جعل الله ذلك حجاباً ممّا سواها من الفواحش من الفعل ، والقول يفطر الصوم ، ما أقل الصوّام وأكثر الجوّاع » ( 1 ) . نعم : إنّ الصوم الذي أمر به الإسلام هو هذا الصوم السماوي المرتبط بعالم الغيب ، الذي صدع به القرآن والسنة النبوية ، الذي لا ارتباط له بالمادّة اطلاقاً . وهذا الصوم هو الذي يحدّ من قوّة إغراء المادة للفرد وسيطرتها عليه بحيث يسلك الفرد عند عدم سيطرة المادّة والملذات والشهوات عليه مسلكاً سلبيّاً اتجاهها يتخذ شكل الزهد والقناعة . ولكن بإعطاء صفة الوجوب لهذا الصوم ، ومفهوم العبادة ، والإطار الإسلامي له تتحوّل هذه النظرة السلبية إلى طاقة محركة وقوّة دفع وايجابية
بحوث في الفقه المعاصر — صفحة 356
مساهمون: الشيخ حسن الجواهري
ص٣٥٦
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ، ب 11 من أبواب آداب الصائم ، ح 13 .