تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين فمنعه الحسين من ذلك ، فلما خلصوا إليه قال لهم : أخبروني عن الناس وراءكم ، فقال له مجمع بن عبد الله العامري أحد النفر الأربعة : أما أشراف الناس فهم إلب عليك ، لأنهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم ، يستميل بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم ، فهم إلب واحد عليك ، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة عليك . قال : لهم : فهل لكم برسولي علم ؟ قالوا : ومن رسولك ؟ قال : قيس بن مسهر الصيداوي . قالوا : نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك ، فصلى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد وأباه ، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به فألقي من رأس القصر فمات ، فترقرقت عينا الحسين ، وقرأ قوله تعالى : * ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) * الآية [ الأحزاب : 23 ] . ثم قال : اللهم اجعل منازلهم الجنة نزلا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ، ورغائب مدخور ثوابك . ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين : أنظر فما معك ؟ لا أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة ، وإني لأرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك ، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدونك ، فأنشدك الله ، إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبرا فافعل ، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به من ملوك غسان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ( 1 ) ، والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم تبعث إلى الرجال من بأجأ وسلمى من طئ ، ثم أقم معنا ما بدا لك ، فأنا زعيم بعشرة ( 2 ) آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف . فقال له الحسين : جزاك الله خيرا ، فلم يرجع عما هو بصدده ، فودعه الطرماح ، ومضى الحسين ، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم ، ثم سرى فنعس في مسيره حتى خفق برأسه ، واستيقظ وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . ثم قال : رأيت فارسا على فرس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا ، فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى ( 3 ) ، فإذا راكب ( 4 ) متنكب قوسا قد قدم من الكوفة ، فسلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين ، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ومضمونه : أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا
هامش
( 1 ) في الكامل لابن الأثير 4 / 50 : الأحمر والأبيض . ( 2 ) في الطبري والكامل : عشرين ألف . ( 3 ) نينوى : ( قال ابن الأعثم أو الغاضرية ، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء ) ونينوى : من سواد الكوفة ، ناحية يقال لها نينوى ومنها كربلاء ( معجم البلدان ) . ( 4 ) ذكره الطبري : مالك بن النسير البدي .
البداية والنهاية — صفحة 188 | ابن كثير / علي شيري