تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
تقول ؟ فقال : أنت الأمير والرأي رأيك ، فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي : سبحان الله ! والله لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان ينبغي إجابته . وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة ، وهكذا جرى الامر ، فإن الحسين لما رجع العباس قال له : ارجع فارددهم هذه العشية لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ونستغفره وندعوه ، فقد علم الله مني أني أحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه ، والاستغفار والدعاء . وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله ، وخطب أصحابه في أول الليل فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة ، وقال لأصحابه : من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له فإن القوم إنما يريدونني . فقال مالك بن النضر : علي دين ولي عيال ، فقال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه حجلا ، ليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يريدونني ، فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري ، فاذهبوا حتى يفرج الله عز وجل . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه : لا بقاء لنا بعدك ، ولا أرانا فيك ما نكره ، فقال الحسين : يا بني عقيل حسبكم بمسلم أخيكم ، اذهبوا فقد أذنت لكم ، قالوا : فما تقول الناس إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، لم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، رغبة في الحياة الدنيا ، لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك . فقبح الله العيش بعدك . وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي ، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك ، والله لو علمت أني أقاتل دونك ألف قتلة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك ، لأحببت ذلك ، وإنما هي قتلة واحدة . وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد ، فقالوا : والله لا نفارقك ، وأنفسنا الفداء لك ، نقيك بنحورنا وجباهنا ، وأيدينا وأبداننا ، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا . وقال أخوه العباس : لا أرانا الله يوم فقدك ولا حاجة لنا في الحياة بعدك . وتتابع أصحابه على ذلك . وقال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن علي بن الحسين زين العابدين . قال : إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها ، وعمتي زينب تمرضني إذا اعتزل أبي في خبائه ومعه أصحابه ، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري ، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول : يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي سالك السبيل