صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل ، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها ، وإنه لم
يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده ، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور ، ولكن طلب منهم
أحد أمرين ، إما أن يرجع من حيث جاء ، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما
يصير أمر الناس إليه . ثم إن عبيد الله بعث شمر بن ذي الجوشن فقال : اذهب فإن جاء الحسين
وأصحابه على حكمي وإلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم ، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم
أنت الأمير على الناس . وكتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين ، وأمره إن لم
يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه ، فإنهم مشاقون . فاستأمن عبيد الله ( 1 ) بن أبي المحل لبني عمته
أم البنين بنت حزام من علي : وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان . فكتب لهم ابن زياد كتاب
أمان وبعثه عبيد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كرمان ، فلما بلغهم ذلك قالوا : أما أمان ابن
سمية . فلا نريده ، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية . ولما قدم شمر بن ذي الجوشن على
عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد ، قال عمر : أبعد الله دارك ، وقبح ما جئت به ، والله إني
لأظنك الذي صرفته عن الذي عرضت عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين ، فقال له
شمر : فأخبرني ما أنت صانع ؟ أتقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم ؟ فقال له عمر : لا ولا كرامة
لك ! أنا أتولى ذلك ، وجعله على الرجالة ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم ،
فقام شمر بن ذي الجوشن فقال : أين بنو أختنا ؟ فقام إليه العباس وعبد الله ، وجعفر وعثمان بنو
علي بن أبي طالب ، فقال : أنتم آمنون . فقالوا : إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فلا حاجة
لنا بأمانك . قال : ثم نادى عمر بن سعد في الجيش : يا خيل الله اركبي وابشري ، فركبوا
وزحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ ، هذا وحسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه ، ونعس
فخفق برأسه وسمعت أخته الضجة فدنت منه فأيقظته ، فرجع برأسه كما هو ، وقال : إني رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : " إنك تروح إلينا " فلطمت وجهها وقالت : يا ويلتنا . فقال :
ليس لك الويل يا أخته : اسكتي رحمك الرحمن ، وقال له أخوه العباس بن علي : يا أخي جاءك
القوم ، فقال : اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم ، فذهب إليهم في نحو من عشرين ( 2 ) فارسا
فقال : مالكم ؟ فقالوا جاء أمر الأمير إما أن تأتوا على حكمه وإما أن نقاتلكم . فقال : مكانكم
حتى أذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه ، فرجع ووقف أصحابه فجعلوا يتراجعون القول ويؤنب
بعضهم بعضا ، يقول أصحاب الحسين : بئس القوم ، أنتم تريدون قتل ذرية نبيكم وخيار الناس
في زمانهم ؟ ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم فقال لهم : يقول لكم أبو عبد الله :
انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة ، فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن : ما
هامش
( 1 ) في الطبري 6 / 236 : عبد الله ( وانظر فتوح ابن الأعثم 5 / 166 وابن الأثير في الكامل 4 / 56 ) .
( 2 ) في ابن الأعثم 5 / 176 : ومعه عشرة فوارس .