وقال حصين ، حدثني سعد بن عبيدة قال : إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه
رجل فساره فقال له : قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن
يضرب عنقك . قال : فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه ، ونهض
بالناس إليهم فقاتلوهم فجئ برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في
أنفه ويقول : إن أبا عبد الله كان قد شمط . قال : وجئ بنسائه وبناته وأهله قال : وكان أحسن
شئ صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا ، وأمر لهم بنفقة وكسوة . قال :
وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر - أو ابن أبي جعفر - فأتيا رجلا من طئ فلجئا إليه
مستجيران به ، فضرب أعناقهما وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد ، قال : فهم ابن
زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت . قال : وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال : لما أتي يزيد
برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول : لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا
- يعني ابن زياد - قال الحصين : ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء
ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع .
قال أبو مخنف : حدثني لوذان ، حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين : أين تريد ؟
فحدثه ، فقال له : أنشدك الله لما انصرفت راجعا ، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك
ولا يقاتل معك ، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف ، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا
كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء ، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا ، فأما على هذه
الصفة فإني لا أرى لك أن تفعل . فقال له الحسين : إنه ليس بخفي علي ما قلت وما رأيت ،
ولكن الله لا يغلب على أمره ، ثم ارتحل قاصدا الكوفة . وقال خالد بن العاص ( 1 ) :
رب مستنصح يغش ويردي * وظنين بالغيب يلقى نصيحا
وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد ،
وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان
منها والله سبحانه وتعالى أعلم .
ثم دخلت سنة إحدى وستين
استهلت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه
وقراباته ، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة على المشهور الذي صححه الواقدي
وغير واحد ، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها والأول أصح .
هامش
( 1 ) في الطبري 6 / 216 : الحارث بن خالد بن العاص بن هشام .