شرح
الوجود الاعتباري .
ومنه ينقدح وجه عدم جريان غير القياس من سائر أقسام الحجة المستعملة في الأمور الحقيقية اعني الاستقراء والتشبيه ، فان الفارق بينهما وبين القياس ان القياس بصورته يفيد اليقين بالنتيجة ، وهما لا يفيدان بصورتهما الا الظن بحصول النتيجة في الواقع ، فهما يشركان القياس في حصر انتاجهما للواقعيات وان كان ظنا .
وكذا غير البرهان من صناعات القياس ، فإنها أيضا لا تجري في الاعتباريات . اما الجدل ، والمغالطة ، والخطابة ، فلأنها جميعا لإثبات نتائجهم في الواقع ، وتفيد الاعتقاد بحصولها في الخارج ، وان كان يختص كل منها بقسم من المبادي .
أما الشعر فهو وان كان لتوهم جريانه في الاعتباريات بل اختصاصه بها مجال واسع ، لكونه مفيدا للتخيل وقد عرفت ان حقيقة الاعتبار هو التخيل ، الا ان التحقيق انه أيضا لا يجري في الاستدلال على الاعتباريات .
وتوضيحه يحتاج إلى بيان جريان سنخ التقسيم إلى الإنشاء والاخبار في القياس أيضا .
فنقول : ان الكلام والدليل يشتركان في الحكاية عن الواقع ، ويفترقان في أن الكلام يحكى عنه حكاية تصوريّة ، والدليل يحكى عنه حكاية تصديقيّة ، فيجري في الدليل أيضا الانقسام إلى المطابق للواقع وغير المطابق له ، المعبّر عنهما في الكلام بالصدق والكذب .
وكذلك ينقسم الكلام ، إلى ما كان حاكيا محضا ، عن معنى غير منوط في تحققه في نفس الأمر إلى وجود كلام ينبئ عنه ، وهو المعبر عنه بالاخبار .
والى ما كان حاكيا عن معنى يوجد بنفس هذا الكلام ، وبعبارة أخرى : وكان الكلام متكفلا للحكاية والمحكي كليهما . بل يكون الكلام حينئذ ذات شؤون ثلاثة ، إيجاد المعنى ، والحكاية عنه حكاية تصوريّة ، والحكاية عنه حكاية تصديقيّة ، وهو المعبر عنه بالإنشاء . ويجرى نظير هذا الانقسام في القياس أيضا .
فإن من القياس ما هو بمنزلة الإنشاء في الكلام وهو القياس الشعري ، وتوضيحه : ان القياس الشعري لا يفيد إثبات نتيجته في الواقع بل هو قياس يفيد إيجاد التخيل ، فهو كالكلام الإنشائي بنفسه موجد لما يحكى عنه ، ولا يفي القياس الشعرى لإثبات أمر محقق في نفسه مع قطع النظر عن إقامة هذا القياس ، بل القياس الشعرى هو الموجد له .