شرح
والتراب من لا شئ ، فقال : ( كن ) فكان ، كما شاء ، وأراد بشرا سويا .
ولكن من بديع قدرته وعجائب صنعته ، وسعة إحاطته ، ولطيف خبره ، رتب
المسببات على الأسباب ، تنبيها للألباب ، وكشفا للحجاب عن طريق الرشد
والصواب ، ودليلا على تفرده بالاستغناء الحقيقي والوجود الأزلي قال الصادق
عليه السلام : ( إلى الله أن يجري الأشياء إلا على الأسباب ) ( 1 ) ( 2 ) .
قال بعض العلماء : هذا واجب في الحكمة الإلهية ، ليعرف بذلك أنه لا سبب له ،
فيكون ذلك لطفا في معرفته تعالى .
ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام : ( وبمضادته بين الأشياء عرف أن
لا ضد له ) ( 3 ) ومثله ما روي عن الصادق عليه السلام : ( لو لم يكن الشاهد دليلا
على الغائب لما كان للخلق طريق إلى إثباته تعالى ) ( 4 ) .
وكان في مشاهدة ذلك وما اشتملت عليه من التدبير ، حيث خلق الشهوة
باعثة ، كالموكل بالفحل في إخراج البذر ، وبالأنثى بالتمكن من الحرث ، تلطفا بهما في
السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع ، كالمتلطف بالطير في بث الحب الذي
يشتهيه ، ليساق إلى الشبكة ، ثم ألقى في قلوبهما من الحنة عليه والرأفة به ما ير بيانه
بها ، إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة ، وتنبيها على لطيف الحكمة ، وتوقيفا على
هامش
( 1 ) أي جرت عادته سبحانه على وفق قانون الحكمة والمصلحة أن يوجد الأشياء بالأسباب ، كإيجاد
زيد من الآباء والمواد والعناصر ، وإن كان قادرا على إيجاده من كتم العدم دفعة بدون الأسباب ، وكذا
علوم أكثر العباد ومعارفهم جعلها منوطة بشرائط وعلل وأسباب ، كالمعلم ، والرسول ، والملك ، واللوح ،
والقلم ، وإن كان يمكنه إفاضتها بدونها ، وكذا سائر الأمور التي تجري في العالم ، ( مرآة العقول : ج 2
ص 312 ) .
( 2 ) الكافي : ج 1 باب معرفة الإمام والرد إليه ، ص 183 قطعة من حديث 7 .
( 3 ) نهج البلاغة : ( صبحي الصالح ) الخطبة 186 ص 273 س 2 .
( 4 ) عوالي اللئالي : ج 3 ص 286 الحديث 28 .