وصول البرهان إليه . وإنما مدارُه على استشهاد القرائح الصافية ، والطبائع السليمة ، التي طالت مُمارستُها للشعر ، فحذقَت نقدَه ، وأثبتت عياره ، وقوِيت على تمييز ، وعرفت خلاصه ، وأنما نُقابل دعواك بإنكار خصْمك ، ونُعارض حُجّتك بإلزام مخالفك إذا صِرنا إلى ما جعلتَه من باب الغَلط واللّحْن ، ونسبتَه إلى الإحالة والمناقضة ، فأما ، وأنت تقول : هذا غثٌ مستبرَد ، وهذا متكلّف متعسّف ، فإنما تخبِر عن نُبوِّ النفس عنه ، وقلّة ارتياح القلب إليه .
والشعر لا يحبَّبُ إلى النفوس بالنظر والمحاجّة ، ولا يحلّي الصدور بالجِدال والمُقايسة ؛ وإنما يعطِفها عليه القبول والطّلاوة ، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة ؛ وقد يكون الشيء متقَناً مُحكماً ، ولا يكون حُلواً مقبولاً ، ويكون جيداً وثيقاً ، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً .
وقد يجدُ الصورة الحسنة والخِلقة التّامة مقلية ممقونة ، وأخرى دون مُستحلاة موموقة ؛ ولكل صناعة أهلٌ يُرجع إليهم في خصائصها ، ويُستَظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها .
ومما أُنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار ، غير لاحقة بالإحسان ، وأن منها ما غلب عليه الضعف ، ومنها ما أثر فيه التعسّف ؛ ومنها ما خانه السّبك ؛ فساء ترتيبه ، وأخلّ نظمه . ومنها ما حمل عليه التعمّق ؛ فخرج به إلى الغَثاثة والبرْد ، وإن كان أكثرُها لم يأتِ من قِبَل المعنى وشرفه ، وكنا نجد لكل واحد منها مثالاً يحسّنه ، وشبيهاً يعضده ويسدده : ولكن الذي أطالبك به وأُلزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة ، ولا تقدّم السُخْط على الرحمة ، وإن فعلتَ فلا تُهمِل الإنصاف جملة ، وتخرج عن العدْل صِفراً ؛ فإن الأديب الفاضل لا يستحسن أن يعقد بالعثرة على الذنب اليسير من لا يحمد منه الإحسان الكثير ؛ وليس من شرائط النَّصفة أن تنعى على أبي الطيب بيتاً شذّ ، وكلمة ندَرت ،
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 100
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص١٠٠