وقلت : احتملنا له ما قدّمناه على ما فيه من فنون المعايب ، وأصناف القبائح ؛ كيف يُحتمل له اللفظُ المعقّد ، والترتيب المتعسَّف لغير معنى بديع يفي شرفُه وغرابتُه بالتعب في استخراجه ، وتقوم فائدة الانتفاع بإزاء التأذي باستماعه ، كقوله :
وفاؤكُما كالرّبْعِ أشجاهُ طاسِمُه . . . بأن تُسعِدا والدّمعُ أشفاه ساجِمُهْ
ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة ، والتعقيد المُفرط ، فيشك أن وراءَها كنزاً من الحكمة ، وأن في طيّها الغنيمة الباردة ؛ حتى إذا فتّشها ، وكشف عن سترها ، وسهِر ليالي متوالية فيها حصل على أن وفاء كما يا عاذليّ بأن تُسعِداني إذا درس شجاي ، وكلما ازداد تدارُساً ازددت له شجْوا ؛ كما أن الربع أشجاه دارسُه .
فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ ، وبهاء الطبع ، ورونق الاستهلال ، ويشح عليها حتى يهلهِل لأجلها النَسْج ، ويفسِد النظم ، ويفصِل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه ، ويقدّم ويؤخّر ، ويعمّي ويعوّص ! ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل : وفاؤكما بأن تسعِدا أشجاه طاسِمُه كالربع ، أو وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه ، لظهر هذا المعنى المضْنون به ، المتنافَس فيه ؛ فأما قوله : والدمعُ أشفاه ساجمُه فخطاب مستأنَف ، وفصلٌ منقطِع عن الأول ، وكأنه قال : وفاؤكما والربع أشجاه ما طسم ، والدمع أشفاه ما سجَم .
وكذلك قوله :
أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادٍ . . . لُييلَتنا المنوطةُ بالتّنادِ
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 98
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٩٨