تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 12184

مساهمون:

ص١٢١٨٤
إذن : فقوله تعالى : { وازدادوا تِسْعاً } [ الكهف : 25 ] فيه إعجاز أدائي بليغ ، يدل على أنَّ التسْع سنين إنما جاءتْ زيادةً من داخل الثلاثمائة ، وليستْ خارجة عنها . ثم سألوه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن رجل جوَّال ، فأنزل الله : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين . . . } [ الكهف : 83 ] . فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وأن يسألوا أنفسهم : من أين له هذا العلم ، وهو الأميُّ الذي لم يجلس مرة إلى مُعلِّم ؟ لذلك قلنا : إن الأُمية عَيْبٌ في كل إنسان ، إلا أنها كانت شرفاً وميزة في رسول الله بالذات ؛ لأنها تعني في حقِّ رسول الله أنه لم يُعلِّمه بشر كما اتهموه ، إنما علمه ربه . كذلك كانت الأمة الت نزل فيها القرآن أمة أمية ، وهذا أيضاً شرف في حقها ، فلو أن هذه الأمة كانت أمةَ علم وثقافة لقالوا عن الإسلام : إنه قفزة حضارية ، لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام القبلي ، فلكل قبيلة قانونها ونظامها ، ولكل قبيلة رئيسها ، ومع ذلك خرج منهم مَنْ جاء بنظام عام يصلح لسياسة الدنيا كلها ، إلى أنْ تقوم الساعة ، وهذا لا يتأتَّى إلا بمنهج إلهي . إذن : الأمية في العرب شرف ، وعجزهم عن محاكاة القرآن ، والإتيان بمثله أيضاً شرف لهم ، فكوْن الحق سبحانه يتحدَّاهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال ، وإلا فأنت لا تتحدَّى الضعيف إنما تتحدَّى القوي في مجال التحدي ، فكأن تحدِّى الله العرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخَلْق ؛ لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه .
تفسير الشعراوي — صفحة 12184 | محمد متولي الشعراوي