وتستحق العقوبة ، فمَنِ استطاع أنْ يُدلِّس على المجتمع ، وأنْ يداري جريمته ما حظه من العقوبة ، وقد استشرى فساده وكَثُر ظلمه ؟
إذن : لا بُدَّ أنْ نؤمن بقدرة أخرى لا يَخْفَي عليها أحد ، ولا يُدلِّس عليها أحد ، ولا يهرب منها أحد ، قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها .
هذه القضية لا بُدَّ أنْ تسوقك إلى فطرية الإيمان بالله تعالى ، وأنه سبحانه خبير عالم { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إلا فِي . . . } [ الأنعام : 59 ] .
لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية تُجنِّدون الجواسيس والمخابرات ، وتُحْصُون هَمْسَ الناس لمعرفة الذين يحتالون في ألاَّ يراهم القانون ؟ أليس من فضل الله عليكم أنه سبحانه يعلم ما خَفِي عليكم ويقتصّ لكم من خصومكم ؟
فقضية القيامة والحساب واضحة بالفطرة ؛ لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم ويخافون ما ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم ، ولا يملكون إلا إنكاره وعدم الاعتراف به ، وكأن هذا الهروب هو الحل .
وسورة الكهف تعطينا نموذجاً لهؤلاء ، وهو صاحب الجنة الذي قال : { وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً . . . } [ الكهف : 36 ] بعد أنْ أسرف على نفسه وجحد نعمة الله عليه ، ولما تنبَّه وراجع فطرته قال : { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } [ الكهف : 36 ] .
فالتكذيب بيوم القامة هو الأغلب والآكد والشكّ في { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي . . . } [ الكهف : 36 ] يعني : وعلى فرض أَنِّي رُددْتُ إلى ربي يوم القيامة فسوف يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في الدنيا ، فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك .
تفسير الشعراوي — صفحة 12186
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٨٦