تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 12182

مساهمون:

ص١٢١٨٢
الإيمان ؛ لذلك قال تعالى : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] . وسبق أن أوضحنا أن الإيمان ليس كلمةً تُقال ، إنما الإيمان مسؤولية وعمل ، ولهذا السبب امتنع كفار مكة عن النطق بكلمة الإيمان ؛ لأنهم يعلمون حقيقتها ، وهم أهل بيان وفَهْم للأساليب وللمعاني . وثبات سيدنا رسول الله وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أجرَوْا مقارنة بين هذا الإيذاء في الدنيا من بشر له قدرة محدودة ، وإيذاء الله سبحانه في الآخرة ، وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى ، ولا يمكن أنْ يفرّ منه أحدٌ . إذن : نقول : إن للإيذاء فلسفةً مقصودة ، وإلا فقد كان من الممكن أن يأخذ الله أعداء دينه أَخْذ عزيز مقتدر ، كما أخذ قوم نوح بالطوفان ، وقوم فرعون بالغرق ، وكما خسف بقارون الأرض ، لكن أراد سبحانه أن يعذب هؤلاء بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول الله ، وربما لو نزلت بهم أخذه عامة لقالوا : آية كونية كالزلازل والبراكين مثلاً ؛ لذلك قال تعالى مخاطباً المؤمنين : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ . . . } [ التوبة : 14 ] . ثم يُصبِّر الحق سبحانه نبيه ويُسلِّيه : { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [ غافر : 77 ] . إذن : ردُّ الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين : نوع في الدنيا بأنْ ينصرَ اللهُ نبيَّه عليهم ، كما بشَّره الله بقوله : { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 12182 | محمد متولي الشعراوي