تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 12139

مساهمون:

ص١٢١٣٩
الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [ الأحزاب : 54 ] ومثله : { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } [ النور : 29 ] . يقولون : إذا كان الله يمتنُّ بعلم ما نُخفي ، فما الميزة وما العظمة في علم ما نبدي ؟ نقول : إياك حين تقرأ كلام الله أنْ تُحكِّم فيه عقلك قبل أنْ تؤمن أنه صادر من الله تعالى ، وأن هذا كلامه سبحانه ، وعندها أَدِرْ المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه الإعجاز فيها . فقوله تعالى { إِن تُبْدُواْ . . . . } [ الأحزاب : 54 ] الله لا يخاطب فرداً ، إنما يخاطب جمهرة الناس ، والإبداء من الجمهرة لا يمكن لك أن تحدد مصدر الفعل فيه ، بحيث تردُّ كلَّ صوت ، وكلَّ حركة إلى صاحبها . وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالمظاهرة مثلاً التي تختلط فيها الأصوات وتعلوا الهتافات ، وسمعنا مثلاً مَنْ ينادي بسقوط فلان ، أنستطيع في هذه الحالة أنْ نحدد صاحب هذا الهتاف ؟ لا لا نستطيع بسبب اختلاط وتداخل الأصوات ، مع أنه جَهْر أعلنه صاحبه بأعلى صوته أبداه على الملأ ، ومع ذلك لا تستطيع أنت تحديده . أما الحق سبحانه ، فيعلم الصوت ، ويعلم صاحبه ، ويعلم أثره ونتيجته ، ويريد كل كلمة ، بل وكل نَفَس إلى صاحبه ، فالذين يحاولون التستُّر والاستخفاء في جمهرة الناس عليهم أنْ يحذروا إنْ شوَّشوا على الخَلْق ، واستْخفوا منهم ، فلن يستخفوا من الله ، فالله لا تشتبه عليه اللغات ، ولا تختلط عليه الأصوات .
تفسير الشعراوي — صفحة 12139 | محمد متولي الشعراوي