ومعلوم أن للزوجة بالنسبة لزوجها خصوصية ، فعادةً في طبيعة التكوين الإنساني ترى الرجل عنده ألوان من الخير ، فإنْ كان صاحب أريحية لا يمنعك شيئاً تتطلبه أو تستعيره منه ، يعطيك من ماله ، من متاع بيته ، يعيرك سيارته . . إلخ .
إلا ما يتعلق بالمرأة ، فإنه يغار حتى من مجرد أنْ تنظر إليها ، ليس ذلك وهي في حوزته ومِلْكه ، إنما حتى لو كان كارهاً لها ، حتى لو طلقها يغار عليها أن تتزوج بآخر .
إذن المرأة هي المتاع الوحيد الذي يحتل هذه المنزلة ، وينال هذا الحفظ وهذه الرعاية ، لماذا ؟ لأنها وعاء النَّسْل ، وكأن الله تعالى يريد للأمة كثرة النسل شريطة أنْ يكون من طُهْر وعِفَّة ونقاء ، فوضع في قلب الرجل حُبَّها والغيرة عليها .
لذلك ، تأمل هذا الوصف الذي وصف الله به الأنصار لما استقبلوا المهاجرين ، وأفسحوا لهم في أملاكهم وفي بيوتهم ، فوصفهم الله وصفاً أرقى ما يُوصف به مكان في مكين .
فقال سبحانه : { والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان . . . } [ الحشر : 9 ] فكأنهم يسكنون في الإيمان { مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . } [ الحشر : 9 ] .
وما استحق الأنصارُ هذا الوصفَ من الحق سبحانه إلا لإيثارهم إخوانهم المهاجرين وبَذْل شيء لم يبذله أحد قبلهم ، حيث كان الواحد منهم يعرض على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها ، وهذه هي المسألة التي تثبت أن إيمانَ هؤلاء طغي على كل ما عداه ، وصار أحبَّ شيء إليهم حتى من المرأة ، ومن الغيرة عليها .
تفسير الشعراوي — صفحة 12136
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٣٦