مهما كان { أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [ الأحزاب : 54 ] وعليم صيغة مبالغة في العلم ؛ لأن عِلْم الله تعالى عِلْم أزليٌّ ليس مُتجدِّداً بتجدُّد الحدث ، فالله يعلم قبل الفعل وأثناء الفعل وبعده .
لذلك قلنا : إن الزمن عندنا نحن ماض وحاضر ومستقبل ، أما بالنسبة للحق سبحانه فليس هناك ماض ولا حاضر ولا مستقبل ؛ لذلك يتكلم سبحانه عن المستقبل وكأنه ماض .
واقرأ مثلاً : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . . . } [ النحل : 1 ] وأتى فعل ماض ومع ذلك قال بعده { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ . . . } [ النحل : 1 ] والاستعجال لا يكون إلا لشيء لم يَأْتِ وقته ، فكأن ( أتى ) معناها بالنسبة لكم سيأتي ، أما بالنسبة للحق سبحانه فإنه أتى بالفعل ؛ لأن الزمن كله في علم الله سواء .
ومعنى : { فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [ الأحزاب : 54 ] أي : كان وما يزال عليماً ؛ لأنه سبحانه ما دام كان عليماً ، وهو سبحانه لا تتأتى فيه الأغيار ، فهو سبحانه عليم فيما مضى ولا يزال ؛ لأنه لا يتغير ، فكان هنا لا تعني أن علمه تعالى نتيجة لحدثكم الذي أحدثتموه ، إنما هو سبحانه عالم قبل أنْ يحدث منكم .
وهذه الآية من الآيات التي وقف عندها المستشرقون ؛ ليستدركوا كما يظنون على كلام الله ؛ لأنهم دائماً يتهموننا أننا ننظر إلى القرآن بقداسة ، وأنه كلام الله فلا نُعمل فيه عقولنا ، وأنهم حين يُدقِّقون في القرآن ويتجرَّأون على البحث فيه يجدون فيه مآخذ - على حَدِّ زعمهم .
ووَجْه اعتراضهم في قوله تعالى : { إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ
تفسير الشعراوي — صفحة 12138
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٣٨