كذلك أنت صَنْعة الله وخِلْقته ، وما بالك بصنعة تُعرض على صانعها كل يوم خمس مرات ، أيصيبها عطب بعد ذلك ؟ وكذلك أنت حين تعرض نفسك على ربك ، تأخذ من هذا اللقاء شحنة إيمان ويقين ، وتتخلَّص من همومك ومشاكلك .
لذلك كان سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلما حَزَبَه أمر فزع إلى الصلاة ، ففي الصلاة ترمي بنفسك وترمي بهمومك ومشاكلك في ( أحضان ) ربك ؛ لأنه سبحانه أعطى الكون أسباباً ، فإذا عزَّتْ عليك الأسباب ولم تُفِدْكَ بشيء فاترُكْ الأسباب ، والجأ إلى المسبِّب سبحانه .
وقلنا : إن المسجد بيت الله باختيار الخَلْق ، أما بيت الله الحرام فهو بيت الله باختيار الله ؛ لذلك جعله الله قِبْلة كل البيوت ، فإذا ما زُرْته ولو مرة واحدة أصلح حياتك كلها .
نعود إلى بيوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما ينبغي أنْ يتحلى به المؤمنون من أدب في دخولها ، وما يجب أنْ يُراعَي في دخول هذه البيوت بالذات ؛ لأن لها طبيعة خاصة تناسب مهمة صاحبها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
{ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ . . . } [ الأحزاب : 53 ] يعني : لا تتهجَّموا عليها ؛ لأنها ضيِّقة وليستْ فيها سعة للاستقبال في كل الأوقات ، والإذن هنا مُقيَّد بالطعام { إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ . . . } [ الأحزاب : 53 ] .
وحتى إذا دُعِيتَ إلى طعام رسول الله لا تذهبْ إليه قبل وقته ، فإذا كان الغداء مثلاً الساعة الثانية ، فلا تذهب أنت الساعة العاشرة ؛ لأنه لا يليق أن تشغل رسول الله وله في بيته مهمات يجب ألاّ
تفسير الشعراوي — صفحة 12127
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٢٧