فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله . . . } [ الجمعة : 10 ] .
إذن : أمر الحق سبحانه عباده المؤمنين بالانتشار ؛ لأن له هدفاً وغايةً ، فالهدف السعي وطلب الرزق ، وماذا بعد أنْ تناولتهم طعامكم ؟ أيليق بكم أنْ تقعدوا مثل ( تنابلة السلطان ) في بيت رسول الله ، وأنتم تعلمون أنه يعيش عَيِشَة الكفاف في كل شؤون حياته ؟
ومن معاني الانتشار : السياحة ، وهي مأخوذة من سَاح الماء إذا فَاض ، وأخذ حيِّزاً أكبر ، والانتشار أو السياحة ينبغي أنْ تكون مُنظمة كما تنتشر نقطة الماء على القماش ، فتحدث فيه دائرة منتظمة .
كذلك في انتشاركم في الأرض للسعي في طلب الرزق يجب أنْ يكون بنظام معين ، بحيث لا يحدث تكدُّس في مكان أو زحام ، في حين يخلو مكان آخر لا يجد مَنْ يعمره ، ويستنبط خيراته .
والسياحة في الأرض أو الانتشار فيها ، الله تعالى يريده مِنَّا لغايتين :
الأولى : الضرب في الأرض وابتغاء رزق الله وفضله ، كما قال الحق سبحانه وتعالى : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله . . . } [ المزمل : 20 ] .
والضرب في الأرض ليس مجرد الانتشار فيها ، إنما المراد العمل والكفاح واستخراج خيراتها ؛ لأن الخالق سبحانه نثر القوت في أنحاء الأرض بالتساوي ، ونثر فيها الخيرات ؛ لذلك كل يوم تعطينا الأرض جديداً من نِعَم الله ، كنا لا نعرف من خيرات الأرض إلا الزراعة ، فلما تقدَّمَتْ العلوم والاكتشافات وتطوَّرت أدواته عرفنا المعادن والبترول
تفسير الشعراوي — صفحة 12129
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٢٩