وكما يقول المثل ( على قدر لحافظ مِدّ رجليك ) فإذا كانت إمكاناتك لا تفر لك إلا الكفاف ، فلتكُنْ راضياً به ، وإنْ تمردَّتَ وطلبْتَ المزيد فلتتمرد أولاً على نفسك ، ولتعمل العمل الذي يوفر لك ما تتطلع إليه .
وآفة الناس في اقتصادهم أنْ يحددوا مستوى الحياة أولاً ، ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا المستوى ، فيحدث العجز ، ولا تفي الإمكانات بالمتطلبات ، إنما الواجب أنْ أُحدِّد مستوى حياتي على ضوء دَخْلي وإمكاناتي ، وبذلك يعيش الإنسان سعيداً مرتاحاً لا يرهقه شيء ، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدخول والإمكانات أنْ نراعي الحلال في الكسب وفي الإنفاق .
وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحَسْب إمكانات أصحابها ، فينبغي أنْ تكون أحوالهم النفسية أيضاً على قدر إمكاناتهم حتى لا يمتليء قلب الفقير حِقْداً على صاحب النعمة .
إذن : لا بُدَّ لنا أن نتحلَّى بالرضا ، وأنْ نقنع بما في أيدينا ، ومَنْ يدريك لعل صاحب النعمة هذا ورثها ، وإنْ كان لم يتعب هو فيها فقد تعب أباؤه وأجداده ، وسبق أن قلنا : إن الذي يعرق عشر سنين من حياته يرتاح بقية عمره ، والذي يعرق عشرين سنة يُريح أولاده ، والذي يعرق ثلاثين يُريح أحفاده ، ومَنْ ذا الذي عرق وكدَّ ولم يجد ثمرة عرقه ؟
فمَنْ أراد أنْ يعيش محترماً مكرماً حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته ، وليعرق قبل أنْ يأتيه يوم لا يجد فيه هذه القدرة ؛ لذلك يراعي سيدنا رسول الله هذا المعنى في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ :
تفسير الشعراوي — صفحة 12124
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٢٤