أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرتْ في هذه المجتمعات ، بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل مثلاً في فندق - كما نزلنا - تجد مكتوباً على باب الحجرة : إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم ، فإن حياتك أثمن مما معك ، إذا خرجتَ إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ضرورياتك . إذن : ارتقوا في شيء ، وانحدروا في أشياء .
وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية الاقتصادية ، فانظر إلى أعلى دَخْلٍ للفرد في العالم تجده في السويد ، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية .
لقد تحضَّرتْ هذه البلاد حضارة مادية ؛ لأنهم أخذوا بأسبابها ، فأتقن كُلٌّ عمله ، وأعطى وقت العمل للعمل ، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنساناً في الشارع ، ولا تجد أحداً يجلس على ( القهوة ) مثلاً أو يضيع وقت العمل ، وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل ( السندوتش ) الجاهز ، ثم يعود إلى عمله .
هكذا يعيش المجتمع المادي ، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع ، والحمد لله أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلَّوْا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلاثين ، وهم عَالَة على الأبوين .
والحق سبحانه هنا يُعلِّمنا الأدب مع رسول الله ، ويجعله لنا قدوة ، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عاش عيشة الكفاف مطعماً وملبساً ومسكناً ، فليس عنده إلا عدة حجرات ، لكل زوجة من زوجاته حجرة واحدة ، فليس لديه حجرة صالون أو استقبال ، فلا بُدَّ أن تتعلم الأمة آداب الدخول وآداب الزيارة في مثل هذه الحالة ، وخاصة مع رسول الله في بيوته .
فقال سبحانه : { يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ . . . } [ الأحزاب : 53 ] كلمة ( بيوت ) جمع بيت ، وهو ما أُعِدَّ للبيتوتة أي : للمبيت فيه ، والمبيت في الأغلب الأعَمِّ لليل ، فهو محل السكون والبيات ، أما النهار فهو محلُّ الحركة ، ولا بد للإنسان بعد التعب والجهد أن يأوي بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه ؛ لذلك سُمِّي البيت سكناً ، كذلك سُمِّيت الزوجة سكناً للسبب نفسه .
فالبيت مسكن لإيواء القالب وراحته ، والمرأة سَكَن لإيواء القلب وراحة النفس ، فكلاهما ينبغي أن يكون مصدراً للراحة .
والبيت يُجمع على بيوت إنْ أردنا المسكن ، ويجمع على أبيات إنْ أردنا البيت الشعري ، وسُمِّي الشعر بيتاً عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان ؛ لأنه تأوي إليه المعاني ، كما نأوي نحن إلى بيوتنا ونسكن فيها ، كذلك المعاني تسكن بيت الشعر ، فيصير البيت نفسه حكمة .
لذلك يقول أحمد شوقي رَحِمَهُ اللَّهُ : لا يزال الشعر عاقلاً - يعني : لا زينة له من قولهم المرأة العاقل أي : التي لا زينة لها - ما لم تُزيِّنه الحكمة ، فهو بدونها هراء لا فائدة منه .
ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يُحفظ ويُتداول على مَرِّ العصور ، كما نستشهد نحن الآن بأبيات المتنبي والمعري وشوقي . . إلخ .
والبيتوتة في كل شيء بحسبها ، فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم بالليل ، والذين يعملون بالليل بيتوتهم بالنهار ، وإنْ كان الأصل في البيات أن يكون ليلاً ، وإياك أنْ تشغل إنساناً وقت بيتوته سواء أكانت بالليل أو بالنهار ، فوقت العمل للعمل ، ووقت السكن للسكن .
تفسير الشعراوي — صفحة 12122
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٢٢