لذلك جاء في دعاء الصالحين : اللهم عاملْنَا بالفضل لا بالعدل ، وبالإحسان لا بالميزان ، وبالجبر لا بالحساب . نعم ، فإن لم يكُنْ في الآخرة إلا الحساب ، فلن يكسب منا أحدٌ ، وقد ورد في الحديث : « مَنْ نُوقِشَ الحساب عُذِّب » .
ويقول سبحانه : { قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس : 58 ] .
فالفرح لا يكون إلا حين يشملك فضْل الله ، وتعمُّك رحمته ، وفي الحديث الشريف : « لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله » قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : « ولا أنا إلا أنْ يتغمدني الله برحمته » .
فإنْ قُلْتَ : فكيف نجمع بين هذه النصوص من القرآن والسنة ، وبين مكانة العمل ومنزلته في مثل قوله تعالى : { ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ النحل : 32 ] .
قالوا : صحيح أن للعمل منزلته وفضله ، لكنك حين تعبد الله لا تُقدم لله تعالى خدمة بعبادتك له ، إنما الخدمة مُقدَّمة من الله لك في مشروعية العبادة ، وإلا فالله تعالى بكل صفات الكمال خلقك وخلق الكون كله لك ، فإنْ كلَّفك بعد ذلك بشيء ، فإنما هو لصالحك ، كما تكلف ولدك بالجد والمذاكرة .
تفسير الشعراوي — صفحة 12094
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠٩٤