فالحق سبحانه خلق الأرض في يومين ، وخلق ما يلزمها في تتمة الأربعة الأيام ، فالزمن تتمة للزمن ؛ لأن الحدث يُتمِّم الحدث ، إذن : المحصلة النهائية ستة أيام ، وليس هناك خلاف بين الآيات { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } [ النساء : 82 ] ومن العجيب أن يأتي هذا التفصيل في ( فَصِّلت ) .
وقوله تعالى : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش . . } [ السجدة : 4 ] الحق - سبحانه - تبارك وتعالى - يخاطب الخَلْق بما يُقرِّب الأشياء إلى أذهانهم ؛ لأن الملوك أو أصحاب الولاية في الأرض لا يستقرون على كراسيهم إلا بعد أنْ يستتبَّ لهم الأمر .
فمعنى { استوى . . } [ السجدة : 4 ] صعد وجلس واستقر ، كل هذه المعاني تناسب الآية ، لكن في إطار قول الحق سبحانه وتعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . . . } [ الشورى : 11 ]
فكما أن لله تعالى وجوداً ليس كوجودك ، وسَمْعاً ليس كسمعك ، وفعلاً ليس كفِعْلك ، فكذلك له سبحانه استواء ، لكن ليس كاستوائك ، وإذا دخلت حجرة الجلوس مثلاً عند شيخ البلد وعند العمدة والمحافظ ورئيس الجمهورية ستجد مستويات متباينة ، كلٌّ على حسب ما يناسبه ، فإذا كان البشر يتفاوتون في الشيء الواحد ، فهل نُسوِّى بينا وبين الخالق عَزَّ وَجَلَّ ؟
فالمعنى إذن { ثُمَّ استوى عَلَى العرش . . } [ السجدة : 4 ] استتبَّ له أمر الخَلْق ، { مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ . . } [ السجدة : 4 ] الوليُّ : مَنْ يليك ، ويكون قريباً منك ، وإليه تفزع في الأحداث ، فهو ملجؤك الأول . والشفيع : الذي يشفع لك عند مَنْ يملك أمرك ، فالوليُّ هو الذي ينصرك بنفسه ، أمَّا الشفيع فهو يتوسط لك عند مَنْ
تفسير الشعراوي — صفحة 11793
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٩٣