إذن : فالإنسان حينما يعلم أن له سنداً من ألوهية قادرة وربوبية لا تُسلمه يستقبل الحوادث بقوة ، ويقين ، ورضا ، وإيمان بأنه لن يُسْلَم أبداً ما دام له إيمان برب ، وكلمة رب هذه ستأتي على باله قَسْراً في وقت الشدة ، حين يخذله الناس وتُعْييه الأسباب ، فلا يجد إلا الله - حتى ولو كان كافراً لقال في الشدة : يا رب .
وقوله تعالى : { مِّن دُونِهِ . . } [ السجدة : 4 ] يعني : لا يوجد غيره ، وإنْ وُجِد غَيْرٌ فبتحنين الله للغير عليك ، فالخير أيّاً كان فمردُّه إلى الله .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السماء . . . } .
في هذه الآية ردٌّ على الفلاسفة الذين قالوا بأن الله تعالى قادر وخالق ، لكنه سبحانه زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة ، فخلق النواميس ، وخلق القوانين ، ثم تركها تعمل في إدارة هذا الكون ، ونقول : لا بل هو سبحانه { يُدَبِّرُ الأمر . . } [ السجدة : 5 ] أي : أمْر الخَلْق ، وهو سبحانه قيُّوم عليه .
وإلا فما معنى { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ . . . } [ البقرة : 255 ] إن قُلْنا بصحة ما تقولون ؟ بل هو سبحانه خلق الكون ، ويُدبِّر شؤونه على عينه عَزَّ وَجَلَّ ، والدليل على قيوميته تعالى على خَلْقه أنه خلق الأسباب على رتابة خاصة ، فإذا أراد سبحانه خَرْق هذه الرتابة
تفسير الشعراوي — صفحة 11795
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٩٥