لا ينبغي أنْ تجعل وُسْعك هو الحكم ، إنما التكليف هو الحكم في الوُسْع ، وما دام ربك - عَزَّ وَجَلَّ - قد كلَّفك فقد علم سبحانه وُسْعْك وكلّفك على قدره بدليل ما شرعه لك من رُخَص إذا خرجتْ العبادة عن الوُسْع .
وقال { أَقِمِ الصلاة . . } [ لقمان : 17 ] لأن الصلاة أول اكتمال في الإجماع لمنهج الله ، وبها يكتمل إيمان الإنسان في ذاته ، وسبق أن قلنا : إن هناك فرقاً بين أركان الإسلام وأركان المسلم ، أركان الإسلام هي الخمس المعروفة ، أمَّا أركان المسلم فهي الملازمة له التي لا تسقط عنه بحال ، وهي الشهادتان والصلاة ، وإنْ كان على المسلم أنْ يؤمن بها جميعاً ، لكن في العمل قد تسقط عنه عدا الصلاة والشهادتين .
ثم يبين لقمان لولده : أن الإيمان لا يقف عند حدِّ الاستجابة لهذين الركنين الأساسيين ، إنما من الإيمان ومن كمال الإيمان أنْ تحب لأخيك ما تحب لنفسك ، فيقول له : { وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر . . } [ لقمان : 17 ] فانشغل بعد كمالك بإقامة الصلاة ، بأنْ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فبالصلاة كَمُلْتَ في ذاتك ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنقل الكمال إلى الغير ، وفي ذلك كمال الإيمان .
وأنت حين تأمر بالمعروف ، وحين تنهي عن المنكر لا تظن أنك تتصدَّق على الآخرين ، إنما تؤدي عملاً يعود نفعه عليك ، فبه تجد سعة الراحة في الإيمان ، وتجد الطمأنينة والراحة الذاتية ؛ لأنك أديْتَ التكاليف في حين قصرَّ غيرك وتخاذل .
ولا شك أن في التزام غيرك وفي سيره على منهج الله راحة لك أنت أيضاً ، وإلا فالمجتمع كله يَشْقى بهذه الفئة القليلة الخارجة عن منهج الله .
تفسير الشعراوي — صفحة 11656
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٥٦