تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11653

مساهمون:

ص١١٦٥٣
وجمع بين هاتين الصفتين ؛ لأنك قد تكون خبيراً بالشيء عالماً بمكانه ، لكنك لا تستطيع الوصول إليه ، كأنْ يكون في مكان ضيق لا تنفذ إليه يدك ، وعندها تستعين بآلة دقيقة كالملقاط مثلاً ، فالخبرة موجودة ، لكن ينقصك اللطف في الدخول . والحق - سبحانه وتعالى - لطيف ، فمهما صَغُرت الأشياء ودقَّتْ يصل إليها ، فهو إذن عليم خبير بكل شيء مهما صغر ، قادر على الإتيان به مهما دقَّ ؛ لأنه لطيف لا يمنعه مانع ، فصفة اللطف هذه للتغلغل في الأشياء . ونحن نعلم أن الشيء كلما دقَّ ولَطُف كان أعنف حتى في المخلوقات الضارة ، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمَنْ بنى بيتاً في الخلاء ، وأراد أنْ يؤمِّن نوافذه من الحيوانات والحشرات الضارة ، فوضع على النوافذ شبكة من الحديد تمنع اللصوص والحيوانات الكبيرة ، ثم تذكّر الفئران والثعابين قضيّق الحديد ، ثم تذكّر الذباب والناموس فاحتاج إلى شيء أضيق وأدقّ ، إذن : كلما كان عدوك لطيفاً دقيقاً كان أعنف ، واحتاج إلى احتياط أكثر . فقوله تعالى { إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [ لقمان : 16 ] يعني : لا يعوزه علم بالمكان ، ولا سهولة ويُسْر في الوصول إلى الأشياء . كانت هذه بعض وصايا لقمان ومواعظه لولده ، ولم يأمره حتى الآن بشيء من التكاليف ، إنما حرص أنْ يُنبه : أنك قد آمنت بالله وبلغَك منهجه واستمعت إليه ، فأطع ذلك المنهج في افعل ولا تفعل ، لكن قبل أنْ تباشر منهج ربك في سلوكك اعلم أنك تتعامل مع إله قيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يغيب عنه شيء ، فادخل على المنهج بهذا الاعتقاد .