لأنه سبحانه أعطاك في الدنيا ، وأمدّك بالأسباب ، وبمقوّمات حياتك ، أوجدك من عدم ، وأمدك من عُدْمٍ ، حتى وإنْ كنت كافراً ، ثم أعدَّ لك في الآخرة الدرجات العالية والنعيم المقيم الذي لا يَفْنى ولا يزول .
وهذه هي الحيثيات التي ينبغي عليك بعدها أن تعرفه سبحانه ، وتتوجّه إليه ، وتلتحم به وتكون في معيته ، ولا تجعل معه سبحانه إلهاً آخر ؛ لأنك إنْ فعلتَ فلن تجد من هذا النعيم شيئاً ، لن تجد إلا المذمّة والخُذْلان في الدنيا والآخرة .
وسوف تُفَاجأ في القيامة بربك الذي دعاك للإيمان به فكفرْتَ . { وَوَجَدَ الله عِندَهُ . . } [ النور : 39 ]
ساعتها ستندم حين لا ينفعك الندم ، بعد أن ضاعت الفرصة من يديك .
ويقول تعالى : { فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً } [ الإسراء : 22 ]
والقعود ليس أمراً عادياً هنا ، بل هو أنكَى ما يصير إليه الإنسان ؛ لأن الإنسان لا يقعد إلا إذا أصبح غيرَ قادر على القيام ، ففيها ما يُشعر بإنهاك القوة ، وكأنه سقط إلى الأرض ، بعد أنْ أصبحتْ رِجلاه غير قادرتين على حَمْله ، ولم تَعْد به قوة للحركة .
ونلاحظ في تعبير القرآن عن هذا الذي خارتْ قواه ، وانتهت تماماً ، أنه يختار له وَضْع القعود خاصة ، ولم يَقُلْ مثلاً : تنام ، لأن العذاب لا يكون مع النوم ، ففي النوم يفقد الإنسان الوعي فلا يشعر بالعذاب ، بل قال ( فتقعد ) هكذا شاخص يقاسي العذاب ؛ لأن العذاب ليس للجوارح والمادة ، بل للنفس الواعية التي تُحِسّ وتألم .
تفسير الشعراوي — صفحة 8447
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٤٧