تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8444

مساهمون:

ص٨٤٤٤
لأن الجميع أمام الله سواء ، ليس مِنّا مَن هو ابن الله ، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسَبٌ أو قرابة ، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عَزَّ وَجَلَّ ، فالجميع أمام عطائه سواء ، لا يوجد أحد أَوْلَى من أحد . فالعاقل حين ينظر في الحياة لا ينظر إلى تميُّزه عن غيره كموهبة ، بل يأخذ في اعتباره مواهب الآخرين ، وأنه محتاج إليها وبذلك يندكّ غروره ، ويعرف مدى حاجته لغيره . وكما أنه نابغ في مجال من المجالات ، فغيره نابغ في مجال آخر ؛ لأن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة ، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقار ، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة . وقوله تعالى : { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً . . } [ الإسراء : 21 ] فإنْ كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائماً على الأسباب المخلوقة لله تعالى ، فإن الأمر يختلف في الآخرة ؛ لأنها لا تقوم بالأسباب ، بل بالمسبب سبحانه ، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها . ولو تأملتَ حالك في الدنيا ، وقارنتَه بالآخرة لوجدتَ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ، فعمرك في الدنيا موقوت ، وسينتهي إلى الموت ؛ لأن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها ، فإنْ بقيْت من بعدك فهي لغيرك ، وكذلك ما فُضِّلْتَ به من نعيم الدنيا عُرْضَة للزوال ، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان .