ولكن سرعان ما نقرأ على باب المسجد لافتة عريضة تقول : أنشأه فلان ، وافتتحه فلان . . الخ مع أنه قد يكون من أموال الزكاة ! ! وهكذا يُفسد الإنسان على نفسه العمل ، ويُقدم بنفسه ما يُحبطه ، إذن : فقد فعل ليقال وقد قيل . وانتهت القضية .
وقوله تعالى : { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً . . } [ الإسراء : 19 ]
وهذا جزاء أهل الآخرة الذين يعملون لها ، ومعلوم أن الشكر يكون لله استدراراً لمزيد نِعَمه ، كما قال تعالى : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ . . } [ إبراهيم : 7 ]
فما بالك إنْ كان الشاكر هو الله تعالى ، يشكر عبده على طاعته ؟
وهذا يدل على أن العمل الإيماني يُصادف شُكْراً حتى من المخالف له ، فاللص مثلاً إنْ كان لديه شيء نفيس يخاف عليه ، فهل يضعه أمانة عند لصٍّ مثله ، أم عند الأمين الذي يحفظه ؟
فاللصّ لا يحترم اللص ، ولا يثق فيه ، في حين يحترم الأمين مع أنه مخالف له ، وكذلك الكذاب يحترم الصادق ، والخائن يحترم الأمين .
ومن هنا كان كفار مكة رغم عدائهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكفرهم بما جاء به إلا أنهم كانوا يأتمنونه على الغالي والنفيس عندهم ؛ لأنهم واثقون من أمانته ، ويلقبونه « بالأمين » ، رغم ما بينهما من خلاف عقديّ جوهري ، فهم فعلاً يكذبونه ، أما عند حفْظ الأمانات فلن يغشُّوا أنفسهم ، لأن الأحفظ لأماناتهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ .
تفسير الشعراوي — صفحة 8439
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٣٩