فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } [ البقرة : 264 ]
والحق تبارك وتعالى في هذه الآية يُجسِّم لنا خَيْبة أمل الكافر في الآخرة في صورة مُحسَّة ظاهرة ، فمثَلُ عمل الكافر كحجر أملس أصابه المطر ، فماذا تنتظر منه ؟ وماذا وراءه من الخير ؟
ثم يقول الحق سبحانه : { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً } [ الإسراء : 18 ]
أي : أعددناها له ، وخلقناها من أجله يُقاسي حرارتها { مَذْمُوماً } أي : يذمُّه الناس ، والإنسان لا يُذَمّ إلا إذا ارتكب شيئاً ما كان يصحّ له أنْ يرتكبه .
و { مَّدْحُوراً } [ الإسراء : 18 ] وبعد أنْ أعطانا الحق سبحانه صورة لمن أراد العاجلة وغفل عن الآخرة ، وما انتهى إليه من العذاب ، يعطينا صورة مقابلة ، صورة لمن كان أعقل وأكيس ، ففضَّل الآخرة .
يقول الحق سبحانه : { وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } .
المتأمل في أسلوب القرآن الكريم يجده عادة يُعطيِ الصورة ومقابلها ؛ لأن الشيء يزداد وضوحاً بمقابله ، والضِّد يظهر حُسْنه الضّد ، ونرى هذه المقابلات في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى
تفسير الشعراوي — صفحة 8437
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٣٧