قوله تعالى : { وَوُضِعَ الكتاب } [ الكهف : 49 ] أي : وضعته الملائكة بأمر من الله تعالى ، فيعطون كل واحد كتابه ، فهي إذن صور متعددة ، فمَنْ أخذ كتابه بيمينه فرح وقال :
{ هَآؤُمُ اقرءوا كِتَابيَهْ } [ الحاقة : 19 ] يعرضه على ناس ، وهو فخور بما فيه ؛ لأنه كتاب مُشرِّف ليس فيه ما يُخجل ؛ لذلك يتباهى به ويدعو الناس إلى قراءته ، فهو كالتلميذ الذي حصل على درجات عالية ، فطار بها ليعرضها ويذيعها .
وهذا بخلاف مَنْ أوتي كتابه بشماله فإنه يقول : { يا ليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [ الحاقة : 25 - 29 ]
إنه الخزي والانكسار والندم على صحيفة مُخْجِلة .
{ فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } [ الكهف : 49 ] أي : خائفين يرتعدون ، والحق سبحانه وتعالى يصور لنا حالة الخوف هذه لِيُفزع عباده ويُحذِّرهم ويُضخِّم لهم العقوبة ، وهم ما يزالون في وقت التدارك والتعديل من السلوك ، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده .
فحالتهم الأولى الإشفاق ، وهو عملية هبوط القلب ولجلجته ، ثم يأتي نزوع القول : { وَيَقُولُونَ يا ويلتنا } [ الكهف : 49 ] يا : أداة للنداء ، كأنهم يقولون : يا حسرتنا يا هلاكنا ، هذا أوانُك فاحضري .
ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابني آدم عليه السلام لما قتل قابيل هابيل ، وكانت أول حادثة قتل ، وأول ميت في ذرية آدم ؛ لذلك بعث الله له غراباً يُعلِّمه كيف يدفن أخاه ، فقال : { يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي . . } [ المائدة : 31 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8932
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٣٢