وقلنا : إن العلماء اختلفوا كثيراً على ماهية إبليس : أهو من الجن أم من الملائكة ، وقد قطعت هذه الآية هذا الخلاف وحَسَمَتْه ، فقال تعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن . . } [ الكهف : 50 ] وطالما جاء القرآن بالنص الصريح الذي يُوضّح جنسيته ، فليس لأحد أن يقول : إنه من الملائكة .
وما دام كان من الجن ، وهم جنس مختار في أنْ يفعل أو لا يفعل ، فقد اختار ألاَّ يفعل : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ . . } [ الكهف : 50 ] أي : رجع إلى أصله ، وخرج عن الأمر .
وقوله تعالى : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ .
. } [ الكهف : 50 ] فهذا أمر عجيب ، فكيف بعد ما حدث منه تجعلونه ولياً من دون الله الذي خلقكم ورزقكم ، فكان أَوْلَى بهذه الولاية .
و { وَذُرِّيَّتَهُ . . } [ الكهف : 50 ] تدل على تناسل إبليس ، وأن له أولاداً ، وأنهم يتزاوجون ، ويمكن أن نقول : ذريته : كل مَنْ كان على طريقته في الضلال والإغواء ، ولو كان من الإنس ، كما قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً . . } [ الأنعام : 112 ]
{ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } [ الكهف : 50 ] أي : بئس البدل أن تتخذوا إبليس الذي أبى واستكبر أنْ يسجدَ لأبيكم وَلياً ، وتتركوا ولاية الله الذي أمر الملائكة أنْ تسجدَ لأبيكم .
ثم يقول الحق سبحانه : { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ . . . } .
تفسير الشعراوي — صفحة 8935
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٣٥