هذا حديث الفتية بعضهم إلى بعض : ما دُمْنا اعتزلنا أهل الكفر ، ونأينا عن طريقهم ، وسلكنا مسلكَ الإيمان بالله الذي يسَّره الله لنا ، فهيا بنا إلى الكهف نلجأ إليه ونحتمي فيه فراراً بديننا ، ومخافة أن يفتننا القوم عن ديننا .
ويلفتنا هنا إلى فرار هؤلاء الفتية ليس إلى بلد آخر فيه مُتّسع للحياة ، بل إلى كهف ضيق في جبل في صحراء ، وليس به مُقوّم من مُقوّمات الحياة ؛ لذلك ينبهنا الحق سبحانه : إياك أن تقول : إن الكهف ضيق ، وكيف يعيشون فيه ؟ لأنهم مهاجرون إلى الله لاجئون إليه مُتوكّلون عليه .
لذلك قال بعدها : { يَنْشُرْ لَكُمْ } [ الكهف : 16 ] فالضيق يقابلُه البَسْط والسّعة ، لقد قالوا هذه الكلمة وهم واثقون في رحمة الله معتقدون أن الذي هاجروا إليه لن يُسلمهم ولن يخذلهم ، وسوف يُوسِّع عليهم برحمته هذا الضيق ، وقد وَسَّعه الله عليهم فعلاً حين أنامهم ، أَلاَ ترى النائم يربع في الدنيا هنا وهناك ولا تحدُّه حدود ؟
ومن هذه السعة ما حدث في قصة نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما تبعه فرعون بجنود حتى قال أتباعه : { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . . } [ الشعراء : 61 ] ، فقد ضاق عليهم الخناق حيث البحر من أمامهم ، والعدو من خلفهم ، ولا مهربَ لهم فيما يرون من واقع الأمر . فماذا قال موسى لقومه في هذا الموقف ؟ قال بملء فيه قوْلَة الواثق من نصر الله : { كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الشعراء : 62 ]
فجاءه التأييد من ربه في التوِّ واللحظة ، وفُرّج عنه وعن أصحابه
تفسير الشعراوي — صفحة 8856
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٥٦